مميزات الحضارة الاسلامية
أولا: أن الإسلام قد انطوى على طاقة روحية،
جعلت منه قوة فاعلة، والشيء المهم في هذه القوة الفاعلة. أنها كانت أصلا جذريا يمس
كل الأوضاع في حياة الناس.
ثانيا: أن الإسلام كان دين دعوة.. وفكرة الدعوة في الإسلام، قد
واتتها ظروف الانتشار في النطاق العالمي، وفي ظلال الدعوة المستمرة، تمكن الإسلام
من نشر طابعه الحضاري، كعقيدة للحياة، وأن يصبح في أقل من ربع قرن، مقوما أساسيا
من مقومات الحضارة الإنسانية..
ثالثا: كان
الإسلام دينا سهلا غير معقد، ولا مركب في عقيدته، وكان في الوقت ذاته، دينا مباشرا،
يتصل فيه الإنسان بخالقه دون وساطة: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ} ، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} ، ولا نجد عقيدة
تطلب من الإنسان شهادة أبسط من شهادة الإسلام، على عمقها وعظمتها: ((لا إله إلا
الله محمد رسول الله)) .. عبارة سهلة رائقة نظيفة، تقف بالعاقل على عتبة الدخول في
الإسلام، موقفا سهلاً. والمقوم الأصيل في هذه البساطة، أن القرآن الكريم هو الوعاء
الأساسي للعقيدة كلها.
رابعا: كان
الإسلام دينا رحبا يدعو إلى سبيل العقل، في حدود أصول العقيدة، كما يدعو إلى سبيل
الضمير، والحق.. ومن هنا كانت الدعوة إلى النظر، وإلى المعرفة، أساسا من أسس
الدعوة الإسلامية، وكان التفتح البصير مفتاح الدعوة للحضارة.. والإسلام في رحابته
الحضارية، استطاع أن يمتص ألوان الحضارات في البلاد التي أوقد فيها قناديل الضياء،
وأن يسبغ عليها طابعاً إسلاميا شاملا..
خامسا: البيئة
بعواملها المحلية، وموقعها الجغرافي، قد ساعدت على إعطاء الحضارة الإسلامية، ما
كان لها من طابع، ومن مكانة.. ولقد كانت الجزيرة العربية ذاتها، منطقة وصل بين
أطراف العالم، عند ملتقى القارات الثلاث في العالم القديم ((أسيا وأفريقيا
وأوربا)) .. ومن شواطئ الجزيرة العربية، تمتد بحار الشمال، بادئة بالبحر الأبيض
المتوسط. وبحار الجنوب بادئة بالبحر الأحمر، والخليج الإسلامي1.. وقد كان عدم
اتصال المياه بين الشمال والجنوب، سببا في أن شبه الجزيرة العربية، كانت نقطة
تغيير، في وسائل المواصلات، وفي ظهور الوساطة التي كتب للمسلمين أن يقوموا بها.. ولم يكن
الأمر بالطبع مجرد التوسط الجغرافي على أهميته، وإنما كان الأمر أوسع وأعمق، فهو
توسط من ناحية الطبيعة البشرية، ومن ناحية السلوك الإنساني، ومن ناحية الاعتدال في
كل ما يصل بالمادة وهي أمور كلها اتصلت بطبيعة البيئة العربية. ومن هذه البيئة
الوسط، انتشر الإسلام شرقا وغربا،
وشمالا وجنوبا، بالبر والبحر على السواء.. وقد شاء الله سبحانه وتعالى، أن تستيقظ
الجزيرة العربية في القرن الرابع عشر
الهجري، الموافق القرن العشرين ميلادي، والقرن العشرون يعتبر أزهى قرون الحضارة في الغرب
سادسا:
الوسطية التي جاء بها الإسلام، والوسطية التي جعلت فيها الأمة الإسلامية وشرفها
الله بها.. ليست الوسطية المبتدعة في
الفكر المستورد الحديث. فالوسط المبتدع في الفكر العصري، وسط عفن، قام بين تراكمات
عفنة من اليمين واليسار. ولا شك أن اندفاع بعض المجتمعات الإسلامية إلى هذا الوسط
العفن، وما جاء حوله من يمين ويسار، يعد
عند الدارسين لتطور الشعوب، كارثة فكرية خطيرة، وردة جاهلية وثنية.. والوسطية الإسلامية
وسطية عامة شاملة، لا تعترف بتقسيم اليمين والوسط واليسار . {أُمَّةً وَسَطا} في
التصور والاعتقاد. وفي التفكير والشعور والتنظيم. في الارتباطات والعلاقات لا تلغي
شخصية الفرد ومقوماته. وفي المكان والزمان
سابعا:
القرآن الكريم ذاته. وذلك أن القرآن كان أعظم ما عرفته الإنسانية في تاريخها
الممتد الطويل.. وقد تضمن القواعد الرصينة الكفيلة بقيام المجتمع الإنساني السليم.
تشده الإنسانية فتجد فيه مبتغاها من التشريعات الفردية، والعلائق الأسرية،
والمعاملات الاقتصادية والحربية، والقوانين المدنية، والأنظمة الدولية، وبعبارة
أوجز.. تجد فيه الأمة كل ما تحتاج إليه في حياتها العامة والخاصة، الدين والدنيا..
ثامنا: اللغة العربية نفسها كانت دعامة من دعائم الحضارة
الإسلامية، وذلك لأنها أعرق اللغات منبتا، وأعزها جانبا، وأقواها جلادة، وأغزرها
مادة، وأدقها تصويرا لما يقع تحت الحس، وتعبيرا عما يجول في النفس..
وعندها من المرونة على الاشتقاق، والقبول للتهذيب، وسعة
صدرها للتعريب. ما يمكنها من الاستمرار في عطائها، نزل القرآن بلسانها فجعلها أكثر رسوخا، وأشد
بنيانا، وأقوى استقرار. وبفضل القرآن، صارت العربية، أبعد اللغات مدىً، وأوسعها
أفقا، وأقدرها على النهوض بتبعاتها الحضارية، عبر التطور الدائم الذي تعيشه
الإنسانية. واستطاعت العربية في ظل عالمية الإسلام، أن تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات
الفكر، وترتقي حتى تصل أرقى اختلاجات النفس، وليس هناك معنى من المعاني، ولا فكر
من الأفكار، ولا عاطفة من العواطف، ولا نظرية علمية من النظريات، تعجز اللغة
العربية عن تصويره بالأحرف والكلمات، وتجسيده داخل الكلمات.
تاسعا: وبجانب هذا وذاك، كانت هناك مقومات تاريخية وبشرية،
تتصل بالعصر الذي ظهر فيه الإسلام، ثم بالعنصر البشري، والتكوين السكاني. فأما عن
العصر، فقد كان الإسلام ختام الأديان السماوية، وكان الإسلام بذلك رباطا لها من
الناحية التاريخية، كما كان في الوقت ذاته تصحيحا لها لما أصابها من تخريف
الفلاسفة والوثنيين.. ولقد كان هذا كله، قوة دفع للفكر الإسلامي، وما تصل به من
حضارة، ومن هنا انطوى التفاعل الإسلامي على قوة غلبت كل التحديات الجاهلية، فانتشر
طابع الحضارة الإسلامية على فعالية، لم يعرف لها مثيل في تاريخ الإنسانية..
عاشرا:
ومما يذكر أن ترسيخ معالم الحضارة الإسلامية، قد تضاعف بفعل مقوم إنساني آخر.. وهو
تنوع السلالات التي دخلت في الإسلام، ثم هناك ظاهرة أخرى ترتب على كل هذه الجوانب
والعوامل، وهي ظاهرة الاتصال والاستمرار الزمني في الحضارة الإسلامية.. ومن وراء
كل ذلك هناك الإيمان بالله، فهو القوة الدافعة الموجهة التي تسند الضعيف من أن
يسقط، وتمسك القوي من أن يجمح، وتعصم الغالب من أن يطغى، وتمنع المغلوب من أن
ييأس.. وقد أثبت التاريخ أن الذين تربوا في مدارس القرآن، هم وحدهم الذين صلحت بهم
الحياة، واعتدل في أيديهم ميزان الحق، والعدل..ولقد كانت المملكة الإسلامية تزدهر
بالعلم والحضارة شرقا وغربا، وتنتشر فيها أرقى الصناعات على اختلافها، وما تركه
المسلمون من تراث علمي، لأكبر شاهد على ذلك..

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق