-->

النظام السیاسي والاداري

اندلس


 النظام السیاسي والاداري :

الأندلس .. من الولایة إلى الإمارة

فتحت الأندلس عام (92 - 95ھـ) على عھد الخلیفة الأموي الولید بن عبد الملك (86 -
96ھـ) فأصبحت ولایة تابعة للخلافة الأمویة في بلاد الشام، ولما سقطت الخلافة الأمویة
بالمشرق عام 132ھـ حاول والي الأندلس یوسف الفھري (129 - 138ھـ) أن یكون أمیراً
مستقلاً لا یتبع أحداً بعد سقوط خلافة الأمویین , إلا أن وصول عبد الرحمن بن معاویة بن
ھشام بن عبد الملك الملقب بالداخل، غیر الأمور وجعل الأندلس إمارة أمویة، بدأ فیھا عھد
جدید یسمى عصر الإمارة الأندلسیة (138 - 316ه)ـ، وھي إمارة وراثیة حكمتھا الأسرة
الأمویة (أسرة عبد الرحمن الداخل) وتولاھا الابن عن والده، أو الأخ عن أخیھ، أو الحفید عن
جده كما ھو معروف.

الدول المعاصرة للإمارة الأندلسیة

وعاصرت الإمارة الأندلسیة دول إسلامیة ذات نظام خلافي، وھي: الدولة العباسیة (132 -
656ھـ)، ودولة الأدارسة (172 - 296ه)،ـ ودول الخوارج وھي دولة بني مدرار في
سجلماسة (140 - 296ھـ)، والدولة الرستمیة في تاھرت (144 - 296ه)، والدولة
الفاطمیة في المغرب (296 - 362ھـ).
فالدولة العباسیة یحكمھا خلیفة من سلالة العباس عم الرسول صلى الله علیھ وسلم وھو
الخلیفة الشرعي الذي یعترف بخلافتھ عموم المسلمین، قیاساً إلى وحدة الخلافة الإسلامیة من
الناحیة النظریة، وبقیت الإمارة الأمویة في الأندلس تقدر وحدة الخلافة الإسلامیة، إلى أن
قامت الدولة الفاطمیة من منطقة المغرب عام 296ھـ , وعلى الرغم من أن دول الخوارج
ودولة الأدارسة تسمي حاكمھا الإمام أولاً، وعلى الرغم من أن بعض أئمة الخوارج من
سجلماسة أعلنوا ولاءھم للخلافة العباسیة، ثانیاً [ 1]، فإن الإمارة الأمویة في الأندلس لم
تخرج من التقلید حتى قامت الخلافة الفاطمیة في المغرب، التي أسقطت دول الخوارج ودولة
الأدارسة ودولة الأغالبة (184 - 296ھـ) فأصبحت ھذه الخلافة وجھاً لوجھ مع الإمارة
الأمویة في الأندلس لا یفصلھما إلا المضیق.

إعلان الخلافة الأندلسیة

ودخلت ھاتان الدولتان في صراعات مریرة، من أشھر مظاھرھا إعلان الخلافة الأندلسیة عام
316ھـ من قبل الأمیر عبد الرحمن الناصر (300 - 350ھـ) الذي لقب من ھذا العام ولقب
الذین جاء من بعده وإلى عام 422ھـ بلقب الخلیفة الأندلسي، وبذلك كسرت قاعدة وحدة
الخلافة الإسلامیة، وأصبحت للخلافة ثلاثة نظم من العالم الإسلامي، وھي: الخلافة العباسیة
والخلافة الفاطمیة والخلافة الأندلسیة , وبرر الفقھاء تعدد الخلفاء إذا كانت ھناك مصلحة
تقتضي ذلك، واعترفوا بشرعیة خلیفتین للمسلمین في آن واحد بشرط أن یكون بینھما مسافة
كبیرة ومسافة شاسعة لمنع الاصطدام والفتن بین المسلمین .
الإمارة الأمویة في الأندلس والخلافة العباسیة
من الناحیة التاریخیة الواقعیة كانت الإمارة الأمویة في الأندلس، إمارة وراثیة مستقلة سیاسیاً
عن خلافة المشرق العباسیة، ولھا علاقات ودیة مع دول الخوارج، إلا أنھ من الناحیة
الروحیة فإن الإمارة الأمویة في الأندلس لم تعترف بالخلافة العباسیة، إلا فترة وجیزة،
تراوحت بین عدة أشھر، وعدة سنوات من حكم عبد الرحمن الداخل (138 - 172ھـ) ثم
قطعت الخطبة للخلیفة العباسي , ویلاحظ أن أمراء بني أمیة الذین حكموا الأندلس قبل
الناصر، وإن كانوا قد قطعوا الدعاء لبني العباس، إلا أنھم لم یلقبوا أنفسھم بلقب خلیفة
واكتفوا بلقب الأمیر أو بني الخلائف أو الإمام , وھناك روایات تذكر أن عبد الرحمن الداخل لم
یخطب للعباسیین طیلة حیاتھ، ولم یخطب الأمراء من بعده كذلك لبني العباس , ویبدو لنا أن
الأمیر عبد الرحمن الداخل لم یخطب لبني العباس، ولكن في الوقت نفسھ، نراه ھو والأمراء
الذین تولوا الأندلس من بعده لم یلقبوا بلقب خلیفة المسلمین، احتراماً للخلیفة الشرعي حامي
الحرمین الشریفین، وھو الخلیفة العباسي .

أسباب إعلان الخلافة الأمویة في الأندلس

ھذا ھو الأصل النظري للخلافة الإسلامیة، غیر أن مجریات الأمور وتغیرات الظروف حتمت
كسر ھذا الأصل، فقامت الخلافة الأندلسیة عام 316ھـ وذلك للأسباب الآتیة:
1 - قیام الدولة الفاطمیة في شمال أفریقیة عام 296ھـ، وھي ذات أطماع مكشوفة تجاه
الأندلس.
2 - ضعف الخلافة العباسیة في المشرق أیام الخلیفة المقتدر (295 - 320ھـ) واستبداد
القواد الأتراك بھا وعبثھم في شؤون الخلافة.
3 - الاستجابة لرغبة الأندلسیین في أن یكون أمیرھم خلیفة للمسلمین، وبخاصة بعد قضائھ
على أھم حركات التمرد، فأصبح الأمیر بحاجة إلى رفع مكانة الأمیر السیاسیة والدینیة .
ھكذا لقب عبد الرحمن الناصر نفسھ، " الناصر لدین الله أمیر المؤمنین " وأصدر منشوراً
یتضمن ذلك ، وھكذا تحولت الأندلس من إمارة إلى خلافة، واستمر لقب خلیفة في ذریة عبد
الرحمن الناصر من بعده حتى سقوط الدولة الأمویة في الأندلس عام 422ھـ
طبیعة نظام الخلافة والخلفاء في الأندلس
ونظام الخلافة في الأندلس یقوم على أساس التوریث أیضاً، ویستند إلى السیاسة أولاً ثم إلى
الدین ثانیاً، عكس الخلافة الراشدة التي قامت على الشورى والانتخاب ,وفي الوقت الذي نجد
فیھ الخلیفة العباسي (یحكم بتفویض من الله) كما قال الخلیفة المنصور: "إنما أنا سلطان الله
في أرضھ"، وإن الخلیفة الفاطمي یرى نفسھ إماماً معصوماً من الخطأ، ولا یسأل عما یفعل،
نرى الخلیفة الأندلسي یقدم نفسھ للناس بصفة، إنسان عادي یخطئ ویصیب، والناس أحرار
في نقده، كما فعل قاضي قرطبة المنذر بن سعید البلوطي ، الذي أخذ ینتقد الخلیفة الناصر
على الأموال الطائلة التي صرفھا في بناء مدینة الزھراء، وھو جالس في مسجد الزھراء،
وكان رد فعل الخلیفة الأندلسي أنھ أقسم أن لا یصلي وراء ھذا القاضي، ورفض اقتراح عزلھ
عن الخطبة والقضاء .
من ھذا نرى أن نشأة الخلافة الأندلسیة تخالف نشأة الخلافة في الممالك الإسلامیة الأخرى،
فھي عبارة عن عقد بین الحاكم والمحكوم، في حین أن الخلافة العباسیة تقوم على أساس
المیراث عن العباس عم الرسول صلى الله علیھ وسلم، والخلافة الفاطمیة تقوم على الحق
الطبیعي الموروث الذي یأتي عن طریق فاطمة الزھراء .

نظام الخلافة في عھد الدولة العامریة حتى السقوط

استمرت الخلافة الأمویة في الأندلس تجمع بین السلطتین الزمنیة والروحیة، إلى أن جاء
الحاجب المنصور ابن أبي عامر وأولاده من بعده، فانتزعوا منھا السلطة الزمنیة اعتباراً من
عام 366ھـ، فاستبدوا بالأمر وأصبح حال الخلافة الأندلسیة كحال الخلافة العباسیة أیام
سیطرة البویھیین (334 - 447ھـ) وسیطرة السلاجقة (447 - 590ھـ)، وكحال الخلافة
الفاطمیة بعد سیطرة الوزراء علیھا بعد وفاة الخلیفة الفاطمي المستنصر عام 478ھـ
,ومعروف تاریخیاً أن فترة الحجابة انتھت عام 399ھـ، وبدأت فتنة الخلافة الأندلسیة وتسمى
الفتنة المبیرة (399 - 422ه)ـ، التي كانت ملیئة بالفتن والاضطرابات، وتصارعت فیھا
عناصر البربر والصقالبة وأھل قرطبة، وحكمھا عدة خلفاء ضعفاء یتجاوز عددھم 14 خلیفة
حكم بعضھم أكثر من مرة , وفي سنة 422ھـ سقطت الدولة الأمویة بعد عزل آخر خلفائھا
ھشام الثالث المعتد با، وإجلاء من تبقى من المروانیة عن قرطبة، وأعلن الوزیر أبو الحزم
بن جھور إلغاء الخلافة وأصبح الأمر شورى فظھرت حكومة الجماعة في قرطبة ، ثم قامت
دویلات الطوائف في سائر أنحاء الأندلس.
نظام الخلافة في عھد ملوك الطوائف
لا ینكر أن معظم ملوك الطوائف كانوا في قرارة أنفسھم یتطلعون إلى الخلافة، فقد كان كل
واحد منھم یود أن یصل إلیھا ، وأن تتجمع لھ الصفات المعنویة التي كان یتمتع بھا الخلفاء
الأمویون، إلا أنھ لم یجرأ أحدھم على ذلك، ولو أنھم تلقبوا بألقاب الخلفاء , فنرى مجاھد
العامري صاحب دانیة والجزائر الشرقیة ینصب (أبا عبد الله بن عبد الله بن الولید ویعرف
بالمعیطي وھو من بني أمیة) ، شبھ خلیفة، وسماه بأمیر المؤمنین المستنصر با . كما قام
الحاجب إسماعیل بن عباد بإرسال الرسل إلى جمیع أنحاء الأندلس یطلب الدخول في طاعة
الخلیفة المزعوم (ھشام المؤید) الذي اختلفت الروایات في مصیره , وقد استجاب لذلك الكثیر
من ملوك الطوائف أمثال: مجاھد العامري صاحب دانیة والجزائر الشرقیة، وعبد العزیز بن
أبي عامر صاحب بلنسیة، وأبي الحزم جھور صاحب قرطبة، وبني ذي النون ملوك طلیطلة
ولعل ھذه الظاھرة التي سمتھا بعض المراجع بـ (وھم الخلافة) یقصد بھا وجود خلیفة یتمتع
ظاھریاً بنوع من القوة والنفوذ، وذلك إرضاء لعامة أھل الأندلس الذین ما زالوا یذكرون
الأوقات الطیبة عن الخلافة الأمویة، ھذا إلى جانب المظاھر الروحانیة والدینیة التي تحیط
بالخلافة.
كان للخلیفة وحده حق الإمامة والزعامة الدینیة، لذلك لم یكن من السھل على أكثر أمراء
الطوائف أن یحتلوا مكان الخلیفة، لأنھم كانوا مجرد حكام صغار لا ینحدرون من سلالات
معروفة تتناسب مع وقار الخلافة وھیبتھا .
وقد وجھت انتقادات لاذعة لأمراء الطوائف الذین اتخذوا ألقاب الخلفاء استكمالاً لمظاھر
السلطان والعظمة ، وقد أشار إلى ذلك الشاعر أبو علي الحسن بن رشیق، بقولھ [2
مِمَّا یُزَھِّدُنِي فِـي أَرْضِ أندلسٍ *** سَمَـــــــاعُ معتصمٍ فِیْھَا وَمُعْتَضِدِ
أَلْقَابُ مملكةٍ فِي غَیْرِ مَوْضِعِھَا *** كَالھِرِّ یَحكِي انتِفَاخاً صَورْة الأسدِ

نظام الخلافة في عصر المرابطین والموحدین

انتھى عصر الطوائف، بدخول الأندلس ضمن أملاك دولة المرابطین، فأصبحت الأندلس ولایة
مرابطیة یحكمھا أمراء مرابطیون تابعون لحكام المرابطین في مراكش، إلا أنھ یلاحظ أن
الدولة المرابطیة أعلنت ولاءھا المبكر للخلافة العباسیة، وبالذات اعتباراً من عام 450ھـ،
وأرسل حكام المرابطین السفارات إلى بغداد لھذا الغرض وأشھرھا سفارة العالم أبي بكر عبد
الله بن محمد المعافري وولده القاضي أبي بكر (485 - 493ھـ).
كما اتخذ المرابطون اللون الأسود شعاراً لھم، ومن المعروف أن ھذا اللون ھو شعار
العباسیین، وضربوا على نقودھم لقب الخلیفة العباسي، ولقب حاكم المرابطین اسمھ باسم
أمیر المسلمین , ثم خضعت الأندلس لدولة الموحدین، وحكمھا ولاة تابعون لحكام الموحدین
في المغرب، ورأى الموحدون أنھم أحق الناس بالخلافة، ولأنھم دون غیرھم الموحدون
المؤمنون، فأقاموا لأنفسھم خلافة شرعیة خاصة، ولقبوا أنفسھم بأمراء المؤمنین، وعززوا
ذلك بانتمائھم إلى بیت رسول الله عن طریق الأدارسة، واتخذوا اللون الأخضر شعاراً لھم ,
وكان من أھداف الخلفاء الموحدین النزوح نحو المشرق وفرض خلافتھم على مشرق العالم
الإسلامي، ومعنى ذلك أن الموحدین لا یعترفون بالخلافة العباسیة ,ولما ثار محمد بن ھود
على الموحدین عام 625ھـ وأقام إمارة مستقلة لھ، لقب نفسھ بأمیر المسلمین مقلداً بذلك
أمراء المرابطین، فقطع الخطبة للموحدین وخطب للخلیفة العباسي، ونشر الرایات السود
,وفي عام 631ھـ وصل إلى الأندلس أبو علي حسن بن علي الكردي المقب بالكمال قادماً من
بغداد رسولاً من قبل الخلیفة العباسي المستنصر با (623 - 640ھـ)، حاملاً كتاب تقلید ابن
ھود ولایة الأندلس، ولقبھ المتوكل أمیر المسلمین، والرایة السوداء، والخلع والھدایا , كذلك
لما ثار أبو جمیل زیان على الموحدین عام 626ھـ، دعى للخلیفة العباسي المستنصر با
أیضاً .نظام الخلافة في عصر مملكة غرناطة
ومملكة غرناطة التي حكمتھا الأسرة النصریة بالوراثة، فقد أعلن أمراء ھذه الأسرة ولاءھم
للخلافة العباسیة حیناً ولملوك بلاد عدوة المغرب حیناً آخر، ولقب أمراؤھم بلقب السلطان
وأمیر المسلمین، مع العلم أن ألقاباً أخرى غلبت على بعضھم كالمخلوع والزُغل والزغیبي.
وعرف بعض سلاطینھم بالقوة، ووقع البعض الآخر تحت سیطرة الوزراء

النظام الإداري في الأندلس

التقسیم الإداري لبلاد الأندلس:

یمكن القول بكل اطمئنان بأن المسلمین قد وجدوا عند دخولھم شبھ الجزیرة الأیبریة،
تقسیمًا إداریًا ثابتًا للبلاد، فساروا علیھ، مع إجراء بعض التعدیلات الشكلیة التي اقتضتھا
الأحوال الجدیدة، واستبدلوا ما وجدوا من التسمیات والمصطلحات بما حملوه معھم من
المشرق، ومما یؤید ھذا الرأي ھو ذلك الاتفاق العجیب بین المصادر الجغرافیة الأندلسیة عند
حدیثھا عن التقسیم الإداري في الأندلس ,ولقد كان الإتجاه الإداري في الأندلس یمیل نحو
الأقسام الإداریة الصغیرة تیسیرًا لضبط الأمن وربط المال، واكتفى المسلمون بالكور، كل كورة
تتبعھا مدن وكل مدینة تتبعھا أقالیمھا أو زماماتھا، وھذا النظام أدى بدوره إلى تبسیط السلم
الإداري، فالإدارة المركزیة یتبعھا عمال الكور، وعمال الكور یتبعھم عمال المدن، وھم
المسئولون عن زمامات المدن وأقالیمھا، وجرت العادة أن یعین عامل المدینة عاملاً خاصًا
بالمدینة نفسھا یسمى صاحب المدینة , وفي ظل المسلمین عرفت الأندلس نظام الأجناد أو
الكور المجندة، وھو النظام الذي أخذه المسلمون عن البیزنطیین، والمراد بھ ولایات عسكریة
ینزلھا جند، ویسمیھا العرب بند والجمع بنود، وھي تقابل الثغور ویحكمھا قائد عسكري. ولم
یعرف نظام الأجناد إلا في الشام، ومنھا انتقل إلى الأندلس، وذلك على أیام أبي الخطار الكلبي
سنة 125ھـ , وكان كل قسم إداري ینقسم إلى عدة أقالیم، وكل إقلیم یكون متبوعًا بعدد من
القرى، ویطلق على كل ما یدخل في حوز القسم الإداري اسم عمل، أو حوز، أو نظر، أو
ولایة.

النظام الإداري للأندلس في عھد الولاة:

ترددت الأندلس في ارتباطھا الإداري، بین ولایة الشمال الأفریقي والإشراف المباشر
لمركز الخلافة. وعندما تكون الأندلس تابعة لولایة الشمال الأفریقي یقوم والي القیروان
بتعیین ولاة الأندلس، مثل الحر بن عبد الرحمن الثقفي (توفي عام 100ھـ)، وعنبسة بن
سحیم الكلبي (توفي عام 107ھـ). ثم اتبعت الأندلس مركز الخلافة الأمویة في دمشق أیام
الخلیفة عمر بن عبد العزیز (99 - 101ھـ) من أجل الإسراع في الإنجاز والإشراف المباشر،
فعین السمح بن مالك الخولاني والیًا علیھا (توفي عام 102ھـ). لكنھا عادت ولایة تابعة
لأفریقیة في ولایة عنبسة (استشھد عام 107ھـ)، ومن جاء بعده.
وھكذا ترددت تبعیة الأندلس بین الإشراف المباشر للخلافة علیھا، وبوساطة ولایة الشمال
الأفریقي، حسب مقتضیات الأمور , لكن قد تفرض ظروف الأندلس أحیانًا تعیین والٍ بسرعة،
فیتفق أھل الأندلس على شخص معین یولونھ أمر الأندلس، حتى یأتي غیره، ویؤید الخلیفة أو
والي أفریقیة ھذا. كما حدث بعد مقتل عبد العزیز بن موسى بن نصیر، إذ عین أھل الأندلس
الوالي أیوب بن حبیب اللخمي (رجب - ذو الحجة 97ھـ). كذلك الحال عند استشھاد السمح
(عام 102ھـ). وفي ھذه الحال یكتب بالأمر إلى والي الشمال الأفریقي لإقراره أو تعیین غیره,
وكانت الأندلس، أغلب فترة الولاة (95 - 138ھـ) تابعة لولایة أفریقیة، وكانت مدینة إشبیلیة
قاعدة الولایة، ثم انتقلت إلى مدینة قرطبة ذات الموقع المتوسط بین الساحل والداخل.
استفاد عرب الأندلس من النظام الإداري الذي وجدوه بالأندلس، فعدلوا بھ بعض الشيء، في
عصر الولاة (95 - 138ھـ)، بحسب ما اقتبسوه من النظم الإداریة المشرقیة، ومال أھل
الأندلس في التنظیم الإداري نحو الأقسام الإداریة الصغیرة تسھیلاً لتوفیر الأمن وتنظیم الأمور
المالیة.
ویبدو أن النظام الإداري للأندلس لم تتضح معالمھ إلا في أواخر عصر الولاة، وذلك عندما
قسم الوالي یوسف الفھري (129 - 138ھـ) الأندلس إلى خمس ولایات نلاحظ من كل ھذا
أن الوالي الكبیر في قرطبة مسؤول عن الولاة الخمسة لھذا التنظیم الإداري، وكل والٍ فرعي
مسؤول عن ولایتھ، لأن كل ولایة تتبعھا مجموعة مدن وھي الكور، وكل كورة یتبعھا عدة
أقالیم (قرى كبیرة)، وكل إقلیم یتبعھ عدة أجزاء (أریاف). وقد أورد لنا العذري الكثیر من
أسماء الأقالیم والأجزاء التابعة لكورة بلنسیة ولكورة سرقسطة، وذكر لنا أقالیم البیرة
وأجزاءھا، وكذلك أقالیم إشبیلیة، وأقالیم قرطبة.
النظام الإداري للأندلس في عھد الإمارة الأمویة:
في عصر الإمارة الأمویة (138 - 316ھـ)، أصبحت الأندلس إمارة مستقلة قاعدتھا
قرطبة، وتولى أمرھا عبد الرحمن الداخل وذریتھ من بعده، كما ھو معروف. ویبدو لنا خلال
ھذه الفترة أن النظام الإداري في الأندلس بقي على حالھ السابق، واعتمد الداخل والأمراء من
بعده في إدارة الثغور والولایات والكور على جماعة مختارة من الأعوان المخلصین، ومن
أفراد البیت الحاكم، مع الاعتماد على أسر اشتھرت في الأندلس، مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة
بني شُھید وأسرة مغیث الرومي وغیرھم. فمثلاً أعطى عبد الرحمن الداخل ولایة إشبیلیة إلى
حسان بن مالك (أبو عبدة)، وقضى ھذا الوالي على حركات التمرد ھناك، وضبط أحوال
الولایة، وأصبح لھذه الأسرة (أسرة أبي عبدة) نفوذ كبیر في ھذه الولایة. وخلال عصر
الإمارة ھذا استجدت عدة ظواھر فیما یتعلق بالنظام الإداري:
1- الظاھرة الأولى:
فقدت الأندلس ولایة أربونة (ولایة الثغر)، حیث استرجعتھا فرنسا، كما زحفت عبر جبال
البرتات وسیطرت على مدینة برشلونة عام 185ھـ/ 801م، وجعلت ھذه المدینة قاعدة لولایة
فرنسیة تسمى بالثغر القوطي أو المارك الإسباني، ویتألف من مدن جیرونة وسولسونة
وبرشلونة وأربونة وغیرھا. وبذلك أصبحت ھذه الولایة الفرنسیة سدًا حاجزًا بین المسلمین
في الأندلس وبلاد فرنسا، وحاولت إمارة الأندلس استرجاع ھذه المناطق فلم تلق نجاحًا كبیرًا،
ما عدا حملات عسكریة جھادیة تكتفي بالنصر أحیانًا على الأعداء دون استرجاع المدن.
2- الظاھرة الثانیة:
في أواخر عصر الولاة، وبدایة عصر الإمارة بدأت الفلول الإسبانیة تجمع نفسھا، فأقامت
لھا إمارات صغیرة في الشمال الإسباني مستغلة سوء الأحوال في الأندلس، فظھر المارك
الإسباني، وقامت إمارة النافار، وإمارة أشتوریش (إمارة لیون).
فظھرت إمارات حدودیة أندلسیة مقابلة لھذه الإمارات الإسبانیة، تسمى بالثغور الأندلسیة،
وھذه الثغور ثلاثة ھي:
أ- الثغر الأعلى:
ویشمل في الجغرافیة الأندلسیة ولایة سرقسطة وأعمالھا. وتعتبر مدینة سرقسطة قاعدة
لھذا الثغر، ویواجھ ھذا الثغر المارك الإسباني وإمارة النافار.
ب- الثغر الأوسط:
یشمل ولایة طلیطلة، وكانت قاعدتھ الأولى مدینة سالم ثم أصبحت مدینة طلیطلة، ویواجھ
ھذا الثغر إمارة لیون بالدرجة الأولى.
ج- الثغر الأدنى: ویشمل المنطقة الواقعة بین نھر دویرة ونھر التاجة، ومن أشھر مدن
ھذا الثغر مدینة قوریة ومدینة قلمریة، وكانت مدینة قوریة عمومًا قاعدة لھذا الثغر. وأصبح
مدلول مصطلح الثغور في الجغرافیة الأندلسیة یعني ھذه الثغور الثلاثة. ومن سكنھا یطلق
علیھ لقب ثغري.
وتأتي أھمیة ھذه الثغور من كونھا أصبحت المراكز المھمة التي تنطلق منھا الجیوش
الأندلسیة لمجاھدة الإمارات الإسبانیة التي ظھرت في الشمال والتي أخذت تسترجع المدن
الأندلسیة تباعًا. كما أصبحت ھذه الثغور مركزًا مھمًا لحركات التمرد ضد حكومة الإمارة في
قرطبة، وقد أحرجت مركزھا في كثیر من الأحیان.
3- الظاھرة الثالثة:
فتح الجزائر الشرقیة عام 290ھـ/903م بقیادة عصام الخولاني وذلك في عھد الأمیر عبد
الله (275 - 300ھـ). وأصبحت ھذه الجزائر تابعة إداریًا إلى الأندلس وعین عصام الخولاني
أول عامل أندلسي علیھا , ویبدو لنا أن النظام الإداري أصیب بالإرتباك خلال عصر الأمیر عبد
الله، نظرًا لقیام حركات التمرد في سائر أنحاء الأندلس، ولم یبق لحكومة الإمارة في قرطبة
سلطان حقیقي إلا في منطقة العاصمة وأحوازھا.
وقد بذل ھذا الأمیر قصارى جھده من أجل إعادة سلطان قرطبة على الولایات، وكذلك فعل
الأمیر عبد الرحمن الناصر (300 - 316ھـ) قبل أن یعلن الخلافة الأندلسیة، وقد بدأ عصره
بقمع ھذه الفتن وسار بنفسھ یعاونھ خیرة قوّاده في إخماد حركات التمرد، وقد أفلح في ذلك.
ولعل القضاء على حركات التمرد ھذه من الأسباب التي دفعت ھذا الأمیر إلى إعلان الخلافة.

النظام الإداري للأندلس في عھد الخلافة الأمویة:

ویبدو خلال الخلافة الأمویة في الأندلس (316 - 422ھـ) أن النظام الإداري ھو استمرار
لھذا النظام منذ عصر الإمارة، ولكن الشيء الجدید الذي استحدث خلال عصر الخلافة، ھو
إیجاد إمارة الثغور إیجادًا مستقلاً، وأعطیت إمارة الثغر الأعلى أھمیة كبیرة. وبعد الھزیمة
المنكرة التي لحقت بالخلیفة عبد الرحمن الناصر وجیشھ أمام جیوش مملكة لیون الإسبانیة
عام 327ھـ/939م في معركة الخندق، اھتم الناصر بأمور الثغور الأندلسیة واستمر في
إعطاء إدارتھا إلى الأسر المتنفذة فیھا وھي أسرة بني تُجیب وأسرة بني ذي النون وبني
الطویل وبني رزین، وكان یغدق علیھم الصلات والھدایا، وكان یزودھم كل عام بالعدد
والسلاح من أجل الاستمرار في مدافعة ممالك الإسبان.
وفي عام 335ھـ/946م عني الناصر بتجدید مدینة سالم وھي أقصى مدن الأندلس
الشمالیة الغربیة على حدود مملكة لیون، فحصّنھا وزودھا بالعتاد والرجال، وكانت قد خربت
من جرّاء غزوات الإسبان المتكررة , وسار عبد الرحمن الناصر على خطى جده الداخل في
الاسترابة من القبائل العربیة، وأقصى زعماءھا عن مناصب النفوذ والإدارة، فعھد الخلیفة
الناصر المناصب المھمة إلى الموالي والصقالبة، ولكن في عھد ولده الخلیفة الحكم المستنصر
(350 - 366ھـ) اعتمد على خیرة الرجال في الجیش والإدارة، سواء من العرب أو البربر،
ویأتي في مقدمتھم الحاجب المنصور بن أبي عامر والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي.
وكان القائد غالب بن عبد الرحمن الناصري والي مدینة سالم من رجالات الحكم المھمین،
وھو الذي قلده الخلیفة الحكم سیفین مذھبین من ذخائر سیوفھ وسماه (ذا السیفین) ,
واعتمد الحاجب المنصور على نظام إداري متین مما مكنھ من مواصلة الجھاد المستمر
للممالك الإسبانیة والانتصار علیھا دائمًا، ولذا وصف بمواصلة الحزم والحذر، ودائم السھر،
لمراقبة أحوال البلاد.
النظام الإداري للأندلس في عصر الفتنة والطوائف:
واضطرب النظام الإداري على ضوء اضطراب الأندلس السیاسي خلال عصر الفتنة (399
- 422ھـ)، كما ھو معروف، وأصبح ولاة المدن في حل من تبعیتھم لقرطبة عاصمة الخلافة،
واستقل كل والٍ وحاكم في منطقتھ وبذلك قام عصر ملوك الطوائف , وفي ھذا العصر لم یتوفر
في الأندلس نظام إداري موحد، بل إن كل مملكة من ممالك الطوائف لھا نظامھا الإداري،
فھناك الأمیر المقیم في قاعدة الإمارة، ولدیھ مجموعة من العمال أو الولاة الذین یعینھم لإدارة
المدن والحصون التابعة لإمارتھ، ومن أجل ضمان السیطرة العسكریة على جمیع أنحاء
الإمارة الطائفیة، نظرًا لحرج ھذه الإمارات بعضھا أمام بعض، وأمام الممالك الإسبانیة في
الشمال.
لذا نرى أن ملوك الطوائف یعھدون إدارة المدن والحصون المھمة إلى إخوانھم وأبنائھم وإلى
أعوانھم المخلصین. ولكن حب الزعامة أولاً وبعد العامل عن مراقبة سیده ثانیًا، وضحت لنا
ظاھرة تمرد العمال على أسیادھم في عصر الطوائف، كما ھو الحال في مملكة غرناطة
ومملكة إشبیلیة ومملكة سرقسطة ومملكة بطلیوس وغیرھا.

النظام الإداري للأندلس في عھد المرابطین:

وأصبحت الأندلس ولایة مرابطیة تتبع مراكش في عدوة المغرب، وعین لھا قائد أعلى
وھو الحاكم العام أو أمیر الأندلس، وللمدن قادة آخرون خاضعون للقائد العام، ومھمة ھؤلاء
الإشراف على النواحي العسكریة والإداریة بالدرجة الأولى , وكانت الأندلس أیام المرابطین
مقسمة إلى ست ولایات ھي: غرناطة وقرطبة وإشبیلیة وبلنسیة ومرسیة وسرقسطة (سقطت
عام 512ھـ قبل انتھاء العصر المرابطي).
وكانت مدینة قرطبة عاصمة الإمارة المرابطیة ثم انتقلت في أوائل عھد علي بن یوسف بن
تاشفین إلى غرناطة، وفي أواخر عھده أعاد العاصمة إلى قرطبة مرة أخرى. وكانت مناصب
الولایة المحلیة في الأندلس، وقفًا على الأمراء والقادة المرابطین، ولا سیما أقرباء الحكام،
وكان في مقدمة ھؤلاء الأمیر سیر بن أبي بكر اللمتوني والي إشبیلیة، ومحمد بن الحاج والي
بلنسیة وسرقسطة والأمیر أبو محمد مزدلي والي قرطبة، والأمیر أنور بن بكر والي الجزائر
الشرقیة , وكان اختیار الوالي یقوم على أساس مكانتھ وعدالتھ وعلمھ، وإذا أظھر شیئًا من
التقصیر یعزل أو ینقل إلى مكان آخر. وكان التأكید والتوصیة بحسن السیرة والرفق بالناس
أمرًا أساسیًا، سواء بالنسبة لحاكم الدولة المرابطیة أم للولاة والحكام المحلیین.

النظام الإداري للأندلس في عھد الموحدین:

وأصبحت الأندلس ولایة موحدیة، وكانت قاعدة الحكومة الموحدیة في الأندلس مدینة
إشبیلیة، لأنھا كانت أول قاعدة أندلسیة نادت بطاعة الموحدین، ولأنھا أول مدینة سیطر علیھا
الموحدون. إلا أن عبد المؤمن بن علي في أواخر أیامھ أمر ولده أبا یعقوب یوسف بن عبد
المؤمن والي إشبیلیة، أن ینتقل إلى قرطبة ویتخذھا قاعدة الحكم الموحدي في الأندلس لأنھا
تقع في وسط الأندلس. وبعد فترة قصیرة رجعت إشبیلیة قاعدة للحكم طیلة العھد الموحدي.
وإذا كانت نظم الحكم المرابطیة للأندلس یغلب علیھا الطابع العسكري، فإن النظم الموحدیة
كانت أمیل إلى الطابع المدني. وكانت ولایة الأندلس في العھد الموحدي تنقسم إلى عدة ولایات
وھي: ولایة الغرب وتشمل شلب ویابره وباجة وماردة وبطلیوس. وولایة إشبیلیة وتشمل
شریش وشذونة وقرمونة وإستجة وقرطبة وجیان، وولایة غرناطة وتشمل وادي آش
والمنكب والمریة ومالقة والجزیرة الخضراء. وولایة بلنسیة وتشمل قسطلونة وشاطبة ودانیة
والجزائر الشرقیة. وولایة مرسیة وتشتمل على لقنت ولورقة وأریولة , وكان یتولى حكم ھذه
الولایات عادة أبناء الخلیفة الموحدي وإخوتھ أو أقرباؤه وأصھاره. وكان یتولى منصب
الحاكم العام للأندلس على الأغلب واحد من أبناء الخلیفة أو إخوتھ، وكان أول من تولاھا من
أبناء الخلیفة السید أبا یعقوب یوسف بن عبد المؤمن وذلك في عام 551ھـ. وكان لكل ولایة
أندلسیة حكومتھا المحلیة التي تضم إلى جانب الوالي الموحدي، الوزیر والكاتب وصاحب
الجبایة عدا المناصب الدینیة.
النظام الإداري للأندلس في عھد مملكة غرناطة:
ومملكة غرناطة الواقعة في الطرف الجنوبي من الأندلس، شملت ثلاث ولایات كبیرة:
ولایة غرناطة في الوسط وفیھا العاصمة غرناطة، وولایة المریة في المشرق، وولایة مالقة
في الجنوب والغرب. ومجموع أقالیم ھذه المملكة كما یخبرنا ابن الخطیب ثلاثة وثلاثون إقلیمًا
, وكانت ھذه الأقالیم خاضعة لسلطة العمال والولاة الذین یختارھم السلطان النصري من ثقات
رجالھ، فیتخذ الولاة من قصبة المدینة (قلعتھا) مقرًا لولایتھم. ولكن بعض الولاة كانوا بحكم
نفوذھم وقوتھم یفرضون أنفسھم على الأقالیم ویتوارثون حكمھا فیقرھم السلطان على
مقاطعاتھم بعد أن یظھروا الطاعة ویؤدوا الأموال، ولعب الكثیر من حكام الأقالیم دورًا كبیرًا
في تقریر مصیر الحكم خلال ھذا العصر، كما حصل خلال حكم السلطان محمد الثاني الفقیھ
(672 - 701ھـ) مثلاً


TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *