-->

تعريف الحضارة

 تعريف الحضارة



«الحضارة» في اللغة وكما ورد في "لسان العرب" : «الإقامة في الحَضَر والحَضَر والحَضْرة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف». إذن، حين تُذكر الحضارة في اللغة فإنّه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكنى المدن والقرى.إلاّ أنّ هذا المعنى هو المعنى اللغويّ للكلمة. والمعنى اللغويّ هو غير المعنى الاصطلاحيِّ ولو كان ذا صلة به. ومرادنا في هذا البحث الوقوف على المعنى الاصطلاحيِّ للحضارة. وهذا يتطلب منّا الرجوع إلى نشأة ذلك المصطلح.

لم يتفق المتخصصون علي تعريف ما للحضارة أو الثقافة أو المدنية، بل وضع أصحاب كل علم مفهوما يتفق مع منهجهم ، فمنهم من رأي أن الحضارة أعم من الثقافة والمدنية، ومنهم من جعل الثقافة أعم من الحضارة والمدنية، وهذا الاختلاف لا يعنينا بقدر ما يعنينا مفهوم الحضارة كمدخل للحضارة الإسلامية.

الحضارة من الحضر بمعني الوجود ضد الغيبة ، والوجود هنا هو الوجود الذي يقتضي الاستقرار ؛ لذلك فالحضارة هي صفة للمجتمع المستقر في مكان ما، يتمتع برقي ما في الجانب المادي والمعنوي. ويعرف ابن خلدون الحضارة بأنها "نمط من الحياة المستقرة يقتضي للعيش فنونا من العلم والعمل والصناعة وإدارة شئون الحياة وأسباب الرفاهية ، وهي تعبر عن قمة التقدم الإنساني، وقد تصل الحضارة بعد تقدم مذهل إلي حالة من الترف يعقبه فساد، فتنزلق رويدا رويدا حتى تصل إلي السفح ؛ فهي غاية العمران ونهاية عمره ومؤذنة بفساده". ويري البعض أن "الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان علي الزيادة من إنتاجه الثقافى، ومقوماتها أربعة عناصر: القيم الأخلاقية، النظم السياسية، الموارد الاقتصادية العلوم والمعارف".

      تعريف للحضارة .. إن الحضارة هي: درجة عالية من الفعالية التاريخية، وأثر لإرادة الوجود الجماعية لأمة متماسكة، يربطها مفهوم واحد للحياة هو مانحها هويتها الثقافية المتمايزة، وشبكة متضافرة من المصالح المتبادلة، لتحقق ذاتها في إنجازات نوعية وكمية على مختلف الأصعدة.

والحضارة لها جانبان: جانب مادي وجانب نظري، الجانب المادي متمثل في كل المبتكرات، كفنون العمارة والهندسة والطب ووسائل التقنية، وغير ذلك مما يبتكره الإنسان ويجسده ، وهذا الجانب المادي يطلق عليه المدنية، وأعتقد أن الغرب أقرب إلي المدنية منه إلي الحضارة . والجانب الآخر متمثل في العلوم النظرية المتعلقة بالفكر والعقل والروح والإيمان والأدب واللغة والفلسفة والأخلاق والمشاعر والتعامل وغير ذلك، وهذا الجانب يطلق عليه الثقافة. وعلي ذلك فالحضارة هي الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة ، بمعني أنها مجموع الحياة الإنسانية في صورتيها المادية والنظرية .

   الحضارة الإسلامية : هي الحضارة الوحيدة الفريدة التي تتناسق فيها الماديات والروحانيات، وذلك يعود إلي أنها حضارة قامت علي عقيدة ثابتة في المسلم بأنه خليفة الله في أرضه، فلابد أن يكون صالحا مؤهلا علي قدر المسئولية المكلف بها ، جديرا بهذه الصفة العظيمة؛ ومن ثم سعي بكل ما يمتلك لتحقيق ذلك ، وقد ساعده القرآن علي أن يكون إنسانا حضريا يدرك الغاية من خلقه ، فأرسي له منهجا سليما قويما ، يتسم بجملة من القيم عمل بها المسلمون فارتفعت بهم ففتحوا العالم وصنعوا حضارة عظيمة تشرفهم في كل مكان وزمان، أقامت عليها أوربا حضارتها الحديثة

   أوّل من توسّع في الكلام عن الحضارة والتفريق بينها وبين البداوة هو "عبد الرحمن بن خلدون"(ت 808 هـ)، الّذي يرى أنّ الناس حين تخطَّوا في كسبهم للمعاش ما هو ضروري «وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضُّر. ثمّ تزيد حالة الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويُجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون من استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان»(1).

والمدقِّق في كلام "ابن خلدون" يجد أنّ كلمة "الحضارة" عنده لم تخرج عن معناها اللغويّ. وكلّ ما كان منه أن توسّع قليلاً في شرح حال أهل الحضر أو المدن والتمييز بينهم وبين البدو أهل البادية. لذلك كان من الخطأ إدراج ابن خلدون في عداد أهل الاصطلاح المحدَث "للحضارة".

انتشار الحضارة

  كان نشر الإسلام هو أحد أهمّ أهداف الدولة الإسلاميّة. وقد جعل الإسلام الجهاد إحدى أهمّ الطرق لتحقيق هذا الهدف الّذي لم يكن من إنشاء الخلفاء الّذين تسلّموا الدولة الإسلاميّة بعد الرسول- صلى الله عليه وسلم - كما يصوّره بعض المؤرِّخين، من الغربيّين والعرب على السواء(1). وإنّما هو هدف إسلاميّ قرآنيّ نصّت عليه الآيات والأحاديث على نحو لا يحتمل الشكّ ولا الجدل، وشرع بالعمل على تحقيقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بسط سلطانه على الجزيرة العربيّة.

   بعد أن مدّت الحضارة الإسلاميّة جذورها في أرض الجزيرة العربيّة ووطّدت فيها أركانها، أزف وقت انتشارها خارج الجزيرة. لم يكن ذلك الانتشار من النوع الّذي عرفه التاريخ، انتشاراً بطيئاً يستغرق مئات السنين حتّى تنضج ثماره ويؤتي أكله. وإنمّا كان انتشاراً سريعاً أذهل أصحاب النظرة الواعية والمتأنية من المؤرِّخين.

   يقول "لوثروب ستودارد" : «كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الّذي دُوّن في تاريخ الإنسان. ظهر الإسلام في أمّة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطّة الشأن، فلم يمضِ على ظهوره عشرة عقود حتّى انتشر في نصف الأرض، مخترقاً ممالك عالية الذرى مترامية الأطراف، وهادماً أدياناً قديمة كرّت عليها الحقب والأجيال، ومغيّراً ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانياً عالماً حديثاً متراصّ الأركان، هو عالم الإسلام»(1) .

   وتقول "لورا فيشيا فاغليري" عن سرعة انتشار الإسلام : «إنّ التاريخ لم يشهد قطُّ ظاهرة مثل هذه من قبل. ومن العسير على المرء أن يقدِّر السرعة الّتي حقّق بها الإسلام فتوحه، والّتي تحوّل بها من دين يعتنقه بضعة نفر من المتحمِّسين إلى دين يؤمن به ملايين الناس. ولا يزال العقل البشريّ يقف ذاهلاً دون اكتشاف القوى السرّيّة الّتي مكّنت جماعة من المحاربين الجفاة من الانتصار على شعوب متفوّقة عليها تفوّقاً كبيراً في الحضارة والثروة والخبرة والقدرة على شنّ الحرب»(2).ويعبّر "غوستاف لوبون" عن ذلك الحدث بقوله: «والحقّ أنّ هؤلاء القوم الشجعان الّذين لبّوا دعوة محمّد، وغدوا أمّة واحدة، أقاموا دولة بلغت ما بلغته دولة الرومان من الاتّساع في أقلّ من قرنين، وأنّ هذه الدولة بدت أكثر دول الأرض هيبة وتمدّناً»(3).

   ولكنّ الّذي لم يعرفه التاريخ قبل الإسلام، ذلك الانتشار الحضاريّ السريع الّذي لم تكن ثمرته تقويض إمبراطوريات وهزيمة جيوش وزوال أنظمة حكم وحسب. وإنّما كانت ثمرته تحوّل شعوب وأمم عن أديانها وعقائدها ولغاتها وتشريعاتها وطرائق عيشها بالجملة، لتغدو معاً أمّة واحدة ذات عقيدة واحدة وتشريع واحد وثقافة متكاملة ولغة رئيسة، وتخضع لراية خليفة واحد، ولتعيش حياة من طراز جديد ونمط مختلف، ولتشكّل معاً مجتمعاً جديداً، إنّه مجتمع "الحضارة الإسلاميّة" .

  عد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تابع الخلفاء مسيرة حمل الإسلام رسالة إلى العالم. ففتح المسلمون العراق وكان يسكنه خليط من النصارى والمزدكيّة والزرادشتيّة من العرب والفرس، وفُتحت فارس وكان يسكنها العجم وقليل من اليهود والرومانيّين، وكانت تدين بالزرادشتيّة، وفتحت الشام وكانت إقليماً بيزنطيّاً يتثقف بثقافة الرومانيّين ويدين بالنصرانيّة ويسكنه السوريون والأرمن واليهود وبعض الرومان، وفتحت شمال إفريقيّة وكان يسكنها البربر وكانت في يد الرومان، وفتحت الأندلس النصرانيّة، وفتحت بلاد السند وخوارزم وسمرقند بما فيها من أديان وأعراق مختلفة. وكانت هذه الأقطار المتعدّدة متباينة القوميّات واللغات والأديان والتقاليد والعادات والقوانين والثقافات، وبالتالي كانت مختلفة العقليّة والنفسيّة. لذلك كانت عمليّة صهرها ببعضها وتكوين أمّة واحدة منها تجتمع على دين واحد ولغة واحدة وثقافة وقوانين من نوع واحد أمراً عسيراً وعملاً شاقّاً، يعدّ النجاح فيه شيئاً غير عاديّ، ولم يحصل لغير الإسلام، ولم يتحقّق إلاّ للحضارة الإسلاميّة. فإنّ هذه الشعوب جميعها بعد أن ظلّلتها الرايّة الإسلاميّة ودخلت في الإسلام، صارت أمّة واحدة هي الأمّة الإسلاميّة(1).

   يقول "هاملتون جب": «إنّ التاريخ الإسلاميّ سار في وجهة معاكسة للتاريخ الأوربّي على نحو يثير الاستغراب، كلاهما قام على أنقاض الإمبراطوريّة الرومانيّة في حوض المتوسط، ولكنّ بينهما فرقاً أصيلاً: فبينما خرجت أوربّا على نحو متدرّج لا شعوريّ بعد عدّة قرون من الفوضى الناجمة عن غزوات البرابرة، انبثق الإسلام انبثاقاً مفاجئاً في بلاد العرب وأقام بسرعة تكاد تعزّ على التصديق في أقلّ من قرن من الزمن إمبراطوريّة جديدة في غربي آسيا وشواطئ البحر المتوسط الجنوبيّة والغربيّة أمّا الإسلام فإنّه بعد أن أقام نظاماً سياسياً شمل جميع المناطق المنشقّة -ومن ضمنها فارس الّتي كانت قد قضت قروناً وهي في صراع سياسيّ مع روما، صراع تسنده عقيدة دينيّة منافسة- واجه مهمّة أخرى هي إدخال هذه المناطق في نظام ثقافيّ دينيّ مشترك قائم على مفهومه العالميّ الشامل. فكان عليه من أجل تحقيق هذا الهدف أن يقاوم تأثير المفهوم العالميّ السابق (أي المسيحيّة) في غربيّ آسيا والنصف الجنوبيّ من حوض المتوسّط ويضعفه إلى أقصى حدّ ممكن، وأن يحطِّم الزرادشتيّة والديانات الثنويّة في فارس وما بين النهرين، وأن يقيم حاجزاً في وجه انتشار البوذيّة في أواسط آسيا(1)».

   وهذا بالفعل ما حقّقه الإسلام. يقول "جاك ريسلر": «على الرغم من تنوّع الأعراق والشعوب المكوّنة "للإسلام" في العصر الأمويّ، القرن السابع والقرن الثامن، كان المسلمون قد بدؤوا يتميّزون بمزايا مشتركة، وكانوا يتصرّفون تقريباً بالطريقة ذاتها على الرغم ممّا كان يمكنه أن يفرّق بين الحضر والبدو، بين الأغنياء والفقراء. ذاك أنّ عقيدة واحدة مترسّخة بقوة، كانت تثير ردود فعل واحدة لدى كائنات مختلفة. كانت روحيّة القرآن تنظّم السلوك اليوميّ، وتشيع جواًّ حيويّاً، وتتوصّل من خلال تغلغلها في الأفكار إلى توحيد شكلّ العقليّات والطبائع»(1). لم يحصل الانتشار الهائل للحضارة الإسلاميّة وانصهار الشعوب بها نتيجة الغزو العسكريّ بحدِّ ذاته، كما أنّه لم يتمّ بحدِّ السيف. وشتّان بين الانتشار العسكريّ البحت الّذي يستهدف غزو الأراضي والبلاد وبين الانتشار الحضاريّ الّذي يستهدف غزو القلوب والعقول والضمائر. فإذا كان الأوّل سلاحه السيف والرمح، فإنّ الثاني لا يتأتّى إلاّ بالفكر والحوار والدعوة والمحاجّة.

إنّ الّذي أدّى إلى هذا الانقلاب الحضاريّ عوامل عدّة يمكن تلخيصها بما يلي :

- أوامر الإسلام.

- واختلاط المسلمين الفاتحين بشعوب البلاد المفتوحة.

ودخول أهل البلاد بجملتهم في الإسلام.(2)

  أمّا أوامر الإسلام، فهي تقضي بأن يدعو المسلمون جميع الناس إلى دينهم حيثما استطاعوا. وما الجهاد إلاّ مقدّمة لهذه الدعوة، حيث تتمثّل وظيفته في تحطيم الحواجز المادّيّة الّتي تقف عائقاً أمام الدعوة الإسلاميّة. وبعد ذلك يقضي الإسلام بترك الخيار للناس، إن شاءوا اعتنقوه وإن شاءوا ظلّوا على دينهم، واكتفى بإخضاعهم لأحكامه في شؤون المعاملات والعقوبات، ليحصل الانسجام في أعمال الناس بتوحيد النظم الّتي تعالج مشاكلهم وتنظّم أعمالهم، وليشعر غير المسلمين بأنّهم كالمسلمين يشاركون المجتمع في تطبيق النظام. وفي تعبير "لوبون": «إنّ القوّة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن ما ترك العربُ المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانيّة الإسلامَ واتّخذوا العربيّة لغة لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة الّتي لم يعرفوها من قبل» ثمّ يضيف: «ولم ينتشر القرآن، إذن، بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب الّتي قهرت العرب مؤخّراً كالترك والمغول»(1).

كما تقضي أوامر الإسلام بأن يُنظر إلى المحكومين نظرة إنسانيّة لا نظرة عنصريّة أو طائفيّة أو مذهبيّة، ولذلك تطبّق الأحكام على الجميع بالسواء لا فرق بين المسلم وغير المسلم

   وأمّا اختلاط المسلمين الفاتحين بغيرهم فكان من أكبر العوامل أثراً في دخولهم الإسلام وانصهارهم مع باقي المسلمين. ذلك أنّ المسلمين بعد أن فتحوا البلاد سكنوها وصاروا يعلّمون أهلها الإسلام ويثقّفونهم بالثقافة الإسلاميّة، وسكنوا معهم في بيوت متجاورة حتّى صارت البلاد مسكونة بالفاتحين وأهل البلاد الأصليّين. وقد اشتركوا في جميع شؤون الحياة وصاروا جميعاً سكّان بلد واحد يطبّق عليهم نظام واحد، ولم يعودوا فئتين غالبين ومغلوبين، وإنّما كانوا جميعاً رعيّة الدولة. ورأوا في الحكّام نوعاً آخر من الناس لم يكونوا يعرفونهم، «ذلك أنّهم اتّصلوا منذ الوقائع الأولى بسكّان البلاد المجاورة الأصليّين الّذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة والّذين كانوا مستعدّين لأن يستقبلوا بترحاب وحبور أيّ فاتح يخفّف وطأة الحياة عنهم، وكانت الطريق الّتي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يُحْجمون عن حمل أحد بالقوّة على ترك دينه وعرفوا كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يسلم، وأعلنوا في كلّ مكان أنّهم يحترمون عقائد الشعوب وعرفها وعاداتها، مكتفين بأخذهم، في مقابل حمايتها، جزية زهيدة تقلّ عمّا كانت تدفعه إلى سادتها السابقين من الضرائب () وقد بالغ العرب في الوقوف عند حدّ هذه الشروط والتقيّد بها فأحبّهم المصريّون الّذين ذاقوا الأمرّين من ظلم عمّال قياصرة القسطنطينيّة النصارى، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيّما إقبال . ونتائج مثلُ هذه لا تُنال بالقوّة»(1).

لقد رأت الشعوب في هؤلاء الحكّام صفات عالية حبّبتهم إليهم وحبّبت إليهم الإسلام. وكان الحكّام وسائر المسلمين يتزوّجون من أهل الكتاب ويأكلون ذبائحهم وطعامهم، فكان هذا الاختلاط حافزاً لدخولهم الإسلام، لأنّهم رأوا أثر الإسلام في هؤلاء الفاتحين(2) .

   وأمّا دخول البلاد المفتوحة في الإسلام فقد كان ظاهرة عامّة، وكان أهل كلّ قطر يدخلون في الإسلام أفواجاً، حتّى دخلت الجمهرة الساحقة من أهل البلدان المفتوحة الإسلام، وصار الناس في جملتهم مسلمين، ولم يبق الإسلام مقتصراً على الفاتحين. وبدخول أهل البلاد في الإسلام انصهروا مع الفاتحين فصاروا أمّة واحدة. «فذلك الّذي كان يعتنق الإسلام، كان يتكلّم ويكتب اللغة العربيّة ويبدو كأنّه عربيّ، إنّ في ذلك لواقعة عظمى على صعيد تاريخ الحضارة الإسلاميّة. كما أنّ تلك القوّة التوحيديّة ألغت الحدود السياسيّة وأعطت بطريقة ما صبغة موحّدة لبلدان متفاوتة ومنتشرة فوق ثلاث قارّات، لم يعد يفصل بينها فاصل منذ الآن. ففي كلّ مكان كان المسلم يجد الدين نفسه، الصلوات ذاتها، الشرائع عينها. وبفضل هذه الشعائر، كان يشعر في كلّ مكان أنّه في داره، سواء في أثناء رحلته خارج الحدود، أم في علاقاته مع تجّار البلدان الأجنبيّة»(1) .

  لقد حقّ للأمم الّتي لم تصلها الفتوح الإسلاميّة أن تتحسّر على نفسها . فتلك الفتوح هي الّتي أنقذت الشعوب الّتي كانت على وشك ولوج عالم العصور الوسطى الّتي كابدت أوربّا أهوالها وظلامها وانحطاطها أكثر من ألف عام. يقول "غوستاف لوبون": «يُروى، مع التوكيد، أنّ "موسى بن نصير" فكّر، بعد فتح إسبانية، في العودة إلى سوريا من بلاد الغول وألمانية، وفي الاستيلاء على القسطنطينيّة وفي إخضاع العالم القديم لأحكام القرآن، وأنّه لم يعقه عن ذلك العمل العظيم سوى أمر الخليفة إيّاه بأن يعود إلى دمشق، فلو وفِّق "موسى بن نصير" لذلك لجعل أوربّا مسلمة، ولحقّق للأمم المتمدّنة وحدتها الدينيّة ولأنقذ أوربّا، على ما يحتمل، من دور القرون الوسطى الّذي لم تعرفه إسبانيا بفضل العرب»(1) . ويقول في موضع آخر: «لنفرض جدلاً، أنّ النصارى عجزوا عن دحر العرب، وأنّ العرب وجدوا جو شمال فرنسا غير بارد ولا ماطر كجو إسبانيا، فطابت لهم الإقامة الدائمة به، فماذا كان يصيب أوربّا؟ كان يصيب أوربّا النصرانيّة المتبربرة مثل ما أصاب إسبانيا من الحضارة الزاهرة تحت راية النبيّ العربيّ، وكان لا يحدث في أوربّا، الّتي تكون قد هذِّبت، ما حدث فيها من الكبائر، كالحروب الدينيّة وملحمة سان بارتلمي ومظالم محاكم التفتيش وكلّ ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع الّتي ضرّجت أوربّا بالدماء عدّة قرون»(2).

   المقومات الحضارة العربية

1ــ انها عربية في تعبيرها

2ـــ ان روح الدافع للحضارة العربية هي الاسلام

3ــــ كانت عالمية في محتواها

4ــ حضارة منفتحه متحركة

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *