اهداف غزوات وسرايا الرسول صلى الله عليه وسلم
الإذن بالقتال ونسخ العفو عن المشركین وأھل الكتاب
أول ما أوحى تبارك وتعالى الى رسولھ محمد صلى الله علیھ وسلم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، فأمره أن یقرأ في نفسھ ولم یأمره إذ ذاك بتبلیغ الرسالة، ثم أنزل علیھ: یا أَیُّھَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ فأمره أن ینذر عشیرتھ الأقربین، ثم إنذار قومھ، ثم إنذار من حولھم من العرب قاطبة، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوتھ ینذر بالدعوة بغیر قتال ولا جزیة، ویؤمر بالكفّ والصّبر والصّفح، ثم أذن لھ في الھجرة، فلما استقرّ صلى الله علیھ وسلم بالمدینة، وآوتھم الأنصار، وألّف بین قلوبھم بعد العداوة التي كانت بینھم، بذلوا أنفسھم دونھ، وقدّموا محبّتھ على محبّة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بھم من أنفسھم.
ولما قدم رسول الله صلى الله علیھ وسلم وأصحابھ المدینة، نصبوا لھم العرب والیھود العداوة والمحاربة، حتى كان المسلمون لا یبیتون إلا في السّلاح ولا یصبحون إلا فیھ، فأنزل الله تبارك وتعالى: وَعَدَ اللهَُّ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّھُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِھِمْ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَھُمْ دِینَھُمُ الَّذِي ارْتَضى لَھُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّھُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِھِمْ أَمْناً یَعْبُدُونَنِي لا یُشْرِكُونَ بِي شَیْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ ھُمُ الْفاسِقُونَ. وكان المشركون والیھود من أھل المدینة حین قدم رسول الله صلى الله علیھ وسلم یؤذون رسول الله صلى الله علیھ وسلم وأصحابھ أشد الأذى، فأمرھم الله تعالى بالصبر على ذلك والعفو عنھم، فقال تبارك وتعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الأُْمُورِ . الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِینَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِیراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ فلمّا قویت الشوكة واشتدّ الجناح أذن لھم حینئذ في القتال ولم یفرضھ علیھم، فقال تبارك وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقاتَلُونَ بِأَنَّھُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهََّ عَلى نَصْرِھِمْ لَقَدِیرٌ. ثم فرض علیھم القتال بعد ذلك لمن قاتلھم دون من لم یقاتلھم، قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِیلِ اللهَِّ الَّذِینَ یُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهََّ لا یُحِبُّ الْمُعْتَدِینَ. وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِینَ كَافَّةً كَما یُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً. ثم فرض علیھم قتال المشركین كافة حتى یكون الدین كلھ ، قال الله عز وجل: بھ لجمیع المشركین.
فكان القتال محرّما، ثم صار مأذونا فیھ، ثم مأمورا بھ لمن بدأھم بالقتال، ثم مأمورا فكان الكفار معھ صلّى الله علیھ وسلم بعد الھجرة ثلاثة أقسام: قسم صالحھم، ووادعھم على ألا یحاربوه ولا یظاھروا علیھ عدوّه، ، وقسم حاربوه ونصبوا لھ العداوة، وقسم تاركوه فلم یصالحوه ولم یحاربوه، بل انتظروا ما یؤول إلیھ أمره وأمر أعدائھ. ومنھم من دخل معھ في الظّاھر وھو مع عدوه في الباطن، لیأمن على نفسھ من بما أمره ربھ تبارك وتعالى. الفریقین، وھؤلاء ھم المنافقون، فعامل صلى الله علیھ وسلم كلّ طائفة من ھذه الطوائف
وصالح یھود المدینة وكتب بینھ وبینھم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدینة: بني قینقاع وبني النّضیر وبني قریظة، فنقض العھد الجمیع، وأمره الله سبحانھ وتعالى أن یقاتل من نقض عھده بعد ان یعلمھم بنبذ العھد، وأن یوفّي لمن استقام على العھد.
ولمّا نزلت سورة براءة نزلت ببیان ھذه الأقسام كلّھا، فأمره الله تعالى أن یقاتل أھل الكتاب حتى یعطوا الجزیة أو یدخلوا في دین الإسلام، وأمره بجھاد المنافقین والكفّار ، فجاھد المنافقین بالحجة واللسان، وجھاد الكفار بالسیف والسّنان، ونبذ عھودھم، وجعل أھل العھد في ذلك ثلاثة أقسام: قسم أمره بقتالھم، وھم الذین نقضوا عھده ولم یستقیموا لھ، وقسم لھم عھد مؤقت لم ینقضوه ، فأمره أن یتم لھم عھدھم إلى مدّتھم، وقسم لم یكن لھم عھد ولم یحاربوه، فأمره أن یؤجّلھم أربعة أشھر، فإذا انسلخت فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِینَ. الأربعة قاتلھم، وھي الأشھر الأربعة المذكورة في قولھ تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْھُرُ الْحُرُمُ فأقتلوا المشركين
عدد الغزوات
اختلف المؤرخون في عدد المغازي الذي غزا فیھا رسول الله صلى علیھ وسلم بنفسھ الكریمة، فیقال كان عدد مغازي رسول الله صلى الله علیھ وسلم التي غزا فیھا بنفسھ سبعا وعشرین، وقیل ثمان وعشرین، وقیل: تسع وعشرون، وقیل: ستّ وعشرون، وقیل: خمس وعشرون. غَزَوَاتَ الرَّسُولِ -صلى الله علیھ وسلم- وھي سبعٌ وعشرون غزوة: 1 -غزوة الأبواء في صفرٍ من السنة الثانیة للھجرة. 3 2 -غزوة بواط في ربیع الأول من السنة الثانیة للھجرة. 3 -غزوة سفوان في ربیع الأول من السنة الثانیة للھجرة. 4 -غزوة العشیرة في جمادى الأولى من السنة الثانیة للھجرة. 6 -غزوة بدر في رمضان من السنة الثانیة للھجرة. 5 -غزوة الكدر من بني سلیم في شوال من السنة الثانیة للھجرة. 7 -غزوة بني قینقاع في شوالٍ من السنة الثانیة للھجرة. 8 -غزوة السویق في ذي الحجة من السنة الثانیة للھجرة. 9 -غزوة غطفان، وھي غزوة ذي أمرَّ في المحرم من السنة الثالثة للھجرة. 10 -غزوة الفرع من بحران في ربیع الآخر من السنة الثالثة للھجرة. 11 -غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة للھجرة. 12 -غزوة حمراء الأسد في شوال من السنة الثالثة للھجرة. 13 -غزوة بني النضیر في ربیع الأول من السنة الرابعة للھجرة. 14 -غزوة بدر الآخرة (المَوْعِدُ) في شعبان من السنة الرابعة للھجرة. 15 - غزوة دومة الجندل في ربیع الأول من السنة الخامسة للھجرة. 16 - غزوة بني المصطلق في شعبان من السنة الخامسة للھجرة. 17 - غزوة الأحزاب في شوال من السنة الخامسة للھجرة. 18 - غزوة بني قریظة في ذي القعدة من السنة الخامسة للھجرة. 19 - غزوة بني لحیان في جمادى الأولى من السنة السادسة للھجرة. 20 - غزوة الحدیبیة في ذي القعدة من السنة السادسة للھجرة. 21 - غزوة ذي قردٍ في المحرم من السنة السابعة للھجرة. 4 22 - غزوة خیبر في المحرم من السنة السابعة للھجرة. 23 - غزوة ذات الرقاع في السنة السابعة للھجرة. 24 - غزوة فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للھجرة. 25 - غزوة حنین في شوال من السنة الثامنة للھجرة. 26 - غزوة الطائف في شوال من السنة الثامنة للھجرة. 27 - غزوة تبوك في رجب من السنة التاسعة للھجرة. - بدر،
قاتل النبي صلى الله علیھ وسلم في تسع غزوات: وفي بعض ذلك تقدیم وتأخیر عند بعض المحدثین. - وأحد، - والخندق، - وقریظة، - والمصطلق وھي المریسیع - والفتح - وخیبر - وحنین ویقال: أنھ صلى الله علیھ وسلم قاتل أیضا في - والطّائف، - بني النّضیر - ووادي القرى، - والغابة.
وقیل قاتل في ثماني مواطن، لأنھم اھملوا غزوة قریظة، وضمت إلى الخندق لكونھا كانت في إثرھا، وكذلك الحال بالنسبة لغزوة الطائف وحنین، فقد اعتبرت غزوة واحدة لكونھا كانت في إثرھا، كما اسقط غزوة الفتح لأنھا فتحت صلحا ولم یحصل القتال بین الطرفین.
والغزوات الكبار الأمھّات سبع: بدر، وأحد، والخندق، وخیبر، والفتح، وحنین، وتبوك. وفي شأن ھذه الغزوات نزل القرآن، ففي بدر نزلت كثیر من سورة الأنفال، وفي أحد آخر آل عمران. وفي قصة الخندق وقریظة صدر سورة الأحزاب، وفي بني النّضیر سورة الحشر. وفي قصة الحدیبیة وخیبر سورة الفتح ، وذكر الفتح في سورة النّصر، وتبوك في سورة براءة.
وجرح منھا رسول الله صلى الله علیھ وسلم في غزوة أحد فقط، وقاتلت معھ الملائكة منھا في بدر وحنین وأحد على خلاف في الثالثة. ونزلت الملائكة یوم الخندق فزلزلوا المشركین وھزموھم، ورمى بالحصباء في وجوه المشركین فھربوا، فكان الفتح في غزوتین: بدر وحنین. وقاتل بالمنجنیق في غزوة واحدة وھي الطّائف. وتحصّن بالخندق في واحدة وھي الأحزاب، أشار بھ علیھ سلمان الفارسي رضي الله عنھ.
السَّرَایَا والبعوث
بلغتْ بُعُوثُ رَسُولِ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- وَسَرَایَاهُ ثَمَانِیةً وَثَلاَثِینَ بَیْنَ بَعْثٍ وَسَرِیَّةٍ، وَقِیلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِینَ، أَوْ ثَمَانِیًا وَأَرْبَعِینَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- یَقُولُ: وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِیَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِیَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِیلِ اللهَِّ أَبَدًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- إِذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعَثَھُ أَوَّلَ النَّھَارِ ، وَیَقُولُ لَھُمْ: تَأَلَّفُوا النَّاسَ، وَلاَ تُغِیرُوا عَلَیْھِمْ حَتَّى تَدْعُوھُمْ ، فَمَا عَلَى الأَْرْضِ مِنْ أَھْلِ بَیْتٍ وَلاَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، إِلاَّ تَأْتُونِي بِھِمْ مُسْلِمِینَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتْوني بِنِسَائِھِمْ، وَأَوْلاَدِھِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَھُمْ.
اھداف الغزوات والسرایا
استھدفت حركات الجھاد في الغزوات والسرایا التي اتجھت إلى مواقع غربي المدینة ثلاثة أمور:-
اولا: تھدید طریق تجارة قریش إلى الشام، وھي ضربة خطیرة لاقتصاد مكة التجاري.
والثاني: عقد المحالفات والموادعات مع القبائل التي تسكن المنطقة لضمان تعاونھا أو حیادھا في الصراع الدائر بین المسلمین وقریش وھي خطوة ھامة یعتبر تحقیقھا نجاحًا للمسلمین، لأن الأصل أن ھذه القبائل تمیل إلى قریش وتتعاون معھا، إذ بینھا تحالفات تاریخیة سماھا القرآن الكریم بالایلاف، سعت قریش من خلالھا لتأمین تجارتھا مع الشام والیمن، ثم إن ھذه القبائل لھا مصالح وثیقة مع قریش سادنة البیت الحرام حیث یحج العرب جمیعًا إلى الأصنام حولھ ھذا فضلاً عن وحدة العقیدة بین ھذه القبائل وقریش واشتراك الجمیع في معاداة الإسلام، فلا شك إذًا في أن تمكن المسلمین من موادعة ھذه القبائل وتحییدھا خلال الصراع یعتبر نجاحًا كبیرًا لھم في تلك المرحلة.
والثالث: إبراز قوة المسلمین في المدینة أمام الیھود وبقایا المشركین، فالمسلمون صاروا لا یقتصرون على السیادة في المدینة بل یتحركون لفرض سیطرتھم على أطرافھا وما حولھا من القبائل، ویؤثرون في مصالحھا وعلاقتھا.
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى غَزَوَاتِ رَسُولِ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- وَبُعُوثِھِ وَسَرَایَاهُ، لاَ یُمْكِنُ لَنَا إِلاَّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- كَانَ أَكْبَرَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ على وجھ التاریخ، وَأَعْمَقَھُمْ فِرَاسَةً ، كَمَا كَانَ سَیِّدَ الرُّسْلِ وَأَعْظَمَھُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَمْ یَخُضْ مَعْرَكَةً مِنَ الْمَعَارِكِ إِلاَّ بالحزم وَالشَّجَاعَةُ وَالتَّدْبِیرُ، وَلذَلِكَ لَمْ یَفْشَلْ فِي أَيِّ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ التِي خَاضَھَا لحكمتھ الفذة وَمَا إِلَیْھَا مِنْ تَعْبِئَةِ الْجَیْشِ، وَتَعْیِین القادة العسكریین عَلَى الْمَرَاكِزِ الاِسْتِرَاتِیجِیَّةِ، وَاحْتِلاَلِ أَفْضَلِ الْمَوَاضِعِ وَأَوْثَقِھَا لِلْمُجَابَھَةِ، وَاخْتِیَارِ أَفْضَلِ خُطَّةٍ لإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، و مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةِ حُنَیْنٍ بسبب كَانَ أَوْجَبَھُمَا عَلَیْھِمْ مِنْ حَیْثُ الْوِجْھةُ الْعَسْكَرِیَّةُ . الضَّعفِ فِي أَفْرَادِ الْجَیْشِ وْمَعصِیَتھم لأوَامِرَهُ، وعدم َ التزامھم بِالْحِكْمَةِ وَالْخُطَّةِ اللَّتَیْنِ
وَقَدْ تَجَلَّتْ عَبْقَرِّیتھُ صلى اللهَّ علیھ وسلم غزوتین أحد وحنین عِنْدَ ھَزِیمَةِ الْمُسْلِمِینَ، فَقَدْ ثَبَتَ مُجَابِھًا لِلْعَدُوِّ، وَاسْتَطَاعَ بِحِكْمَتِھِ الفذَّةِ أَنْ یُخَیّبَھُم فِي أَھْدَافِھِم ویُغَیِّر مَجْرَى الْحَرْبِ وبدِّلَ الْھزِیمَةَ انْتِصَارًا .
ھَذِهِ مِنْ نَاحِیَةِ الْقِیَادَةِ الْعَسْكَرِیَّةِ ، أَمَّا مِنْ نَوَاحٍ أُخْرَى، فَإِنَّھُ صلى اللهَّ علیھ وسلم اسْتَطَاعَ بھذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَایَا فَرضَ الأَْمنِ وَبَسْطَ السَّلاَمِ، وإِطْفَاءَ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَكَسْرَ شَوْكَةِ الأَْعدَاءِ، وَإِلْجَاءَھُم إِلَى الْمُصَالَحَةِ، وَتَخْلِیَةِ السَّبِیلِ لِنَشْرِ الدَّعوَةِ، وَقَدْ أُرِیقَ فِي جَمِیعِ ھَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَایَا أَقَلُّ دَمٍ عُرِفَ فِي تَارِیخِ الْحُرُوبِ وَالْغَزَوَاتِ، فَلَمْ یَتَجَاوَزِ الْقَتْلَى كُلُّھا (1018 (قَتِیلاً مِنَ الفَرِیقَیْنِ. كَمَا اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللهَِّ أَنْ یَتَعَرَّفَ مِنْ خِلاَلِ ھَذِهِ الْغَزَوَاتِ عَلَى الْمُخْلِصِینَ مِنْ أَصْحَابِھِ، وَمِمَّنْ یُبْطِنُ النِّفَاقَ، وَیُضْمِرُ نَوَازِعَ الْغَدْرِ وَالْخِیَانَةِ.
وَقَدْ أَنْشَأَ طَائِفَةً كَبِیرَةً مِنَ الْقُوَّادِ، الذِینَ لاَقُوا بَعدَهُ الْفُرسَ وَالرُّومَانَ فِي مَیَادِینِ إِجْلاَءَھُم مِنْ أَرضِھم وَدِیَارِھم وَأَموَالِھِمْ. الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، فَفَاقُوھُمْ فِي تَخْطِیطِ الْحُرُوبِ وَإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ،
حَتَّى اسْتَطَاعُوا وَاسْتَطَاعَ رَسُولُ اللهَِّ صلى اللهَّ علیھ وسلم بِفَضْلِ ھَذِهِ الْغَزَوَاتِ، أَنْ یُوَفِّرَ السُّكْنَى وَالأَْرضَ وَالْحِرَفَ وَالْمَشَاغِلَ لِلْمُسْلِمِینَ، حَتَّى قَضَى عَلَى كَثِیرٍ مِنْ مَشَاكِلِ اللاَّجِئِینَ الذِینَ لَمْ یَكُنْ لَھُمْ مَالٌ وَلاَ دَارٌ، وَھَیَّأَ السِّلاَحَ وَالْكُرَاعَ وَالْعُدَّةَ وَالنَّفَقَاتِ، حَصَلَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ غَیْرِ أَنْ یَقُومَ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْیَانِ وَالْبَغْي وَالْعُدوَانِ عَلَى عِبَادِ اللهَِّ.
وَقَدْ غَیَّرَ رَسُولُ اللهَِّ بِھَا أَغْرَاضَ الْحُرُوبِ وَأَھْدَافَھا التِي كَانَتْ تَضْطَرِمُ نَارُ الْحَربِ لأَِجْلِھا فِي الْجَاھِلِیَّةِ، فَیْنَمَا كَانَتِ الْحَربُ عِبَارَةً عَنِ النَّھْبِ، وَالسَّلْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالإِْغَارَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالْبَغْي، وَالْعُدوَانِ، وَأَخْذِ الثَّأْرِ، وَتَخْرِیبِ الْعِمرَانِ، وَتَدمِیرِ الْبُنْیَانِ، وَھَتْكِ حُرُمَاتِ النِّسَاءَ، وَالقَسْوَةِ بِالضِّعَافِ وَالْوَلاَئِدِ وَالصِّبْیَانِ، وَإِھْلاَكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَالْعَبَثِ وَالفسَادِ فِي الأَْرْضِ، إِذْ صَارَتْ ھَذِهِ الْحَربُ جِھَادًا فِي تَحْقِیقِ أَھْدَافٍ نَبِیلَةٍ، وَأَغْرَاضٍ سَامِیَةٍ وَغَایَاتٍ مَحمُودةٍ، یَعْتَزُّ بِھَا الْمُجْتَمَعُ الإِْنْسَانِيُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَقَدْ صَارَتِ الْحَربُ جِھادًا فِي تَخْلِیصِ الإِْنْسَانِ مِنْ نِظَامِ القَھْرِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى نِظَامِ الْعَدَالَةِ وَالنَّصَفِ، مِنْ نِظَامٍ یَأْكُلُ فِیھِ القَوِيُّ الضَّعِیفَ، إِلَى نِظَامٍ یَصِیرُ فِیھِ الْقوِيُّ ضَعِیفًا حَتَّى یُؤْخَذَ مِنْھُ، وَصَارَتْ جِھَادًا فِي تَخْلِیصِ الْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ قال تعالى: {الَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ ھَذِهِ الْقَرْیَةِ الظَّالِمِ أَھْلُھَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِیًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِیرًا} وَصَارَتْ جِھَادًا فِي تَطْھِیرِ أَرضِ اللهَِّ مِنَ الْغدرِ وَالْخِیَانَةِ وَالإِْثْمِ وَالْعُدوَانِ إِلَى بَسْطِ الأَْمنِ وَالسَّلاَمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحمَةِ، وَمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ وَالْمُرُوءَةِ.
كَانَ رَسُولُ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- إِذَا أَمَّرَ أَمِیرًا عَلَى جَیْشٍ أَوْ سَرِیَةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِھِ بِتَقْوَى اللهَِّ وَمَنْ مَعَھُ مِنَ الْمُسْلِمِینَ خَیْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللهَِّ، فِي سَبِیلِ اللهَِّ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَِّ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلیدًا، وَإِذَا لَقِیتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكینَ فَادْعُھُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ فَأَیَّتُھُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْھُمْ وَكُفَّ عَنْھُمْ، ثُمَّ ادْعُھُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْھُمْ وَكُفَّ عَنْھُمْ، ثُمَّ ادْعُھُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِھِمْ إِلَى دَارِ الْمُھاجِرِینَ، وَأَخْبِرھُمْ أَنَّھُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَھُم مَا لِلْمُھاجِرِینَ وَعَلَیْھِمْ مَا عَلَى الْمُھاجِرِینَ، فَإِنْ أبوا أَنْ یَتَحَوَّلُوا مِنْھَا، فَأَخْبِرْھُمْ أَنَّھُمْ یَكُونُونَ كَأعرَابِ الْمُسْلِمِینَ، یَجْرِي عَلَیْھِمْ حُكْمُ اللهَِّ الذِي یَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِینَ، وَلاَ یَكُونُ لَھُمْ فِي 8 الْغَنِیمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ یُجَاھِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِینَ، فَإِنْ ھُمْ أَبَوا فَسَلْھُمُ الْجِزْیَةَ، فَإِنْ ھُمْ أَجَابُوكَ فَاقْتلْ مِنْھُمْ وَكفَّ عَنْھُمْ، فَإِنْ ھُم أبوا فَاسْتَعِنْ بِاَِّ وَقَاتِلْھُم، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَھْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَھُمْ ذِمَّةَ اللهَِّ وَذِمَّةَ نَبِیِّھِ، فَلاَ تَجْعَلْ لَھُمْ ذِمَّةَ اللهَِّ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِیِّھِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَھُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمِ أَصْحَابِكُمْ، أَھْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهَِّ، وَذِمَّةَ رَسُولھِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَھْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَھم عَلَى حُكْمِ اللهَِّ، فَلاَ تُنْزِلْھم عَلَى حُكْمِ اللهَِّ، وَلَكِنْ أَنْزِلْھم عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تدرِي أَتُصِیبُ حُكْمَ اللهَِّ فِیھِمْ أَم لاَ.
وكَانَ رَسُولُ اللهَِّ -صلى اللهَّ علیھ وسلم- یَأْمُرُ بِالتَّیْسِیرِ وَیَقُولُ: "بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا، وَیَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا"، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَیْلٍ لَمْ یُغِر عَلَیْھِمْ حَتَّى یُصْبِحَ ، وَنَھى أَشَدَّ النَّھْي عَنِ التَّحرِیقِ فِي النَّارِ، وَنَھَى عَنْ قتلِ النِّسَاءِ، وَنَھَى عَنِ النَّھْبِ، وَنَھَى عَنْ قَطْعِ الأَْشْجَارِ، إِلاَّ إِذَا اشْتَدَّتْ إِلَیْھا الْحَاجَةُ، وَلاَ یَبْقَى سِوَاهُ سَبِیلٌ، وَقَالَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لاَ تُجْھِزُنَّ عَلَى جَرِیحٍ، وَلاَ تَتَّبِعُوا مُدبِرًا"، وَأَمضَى السُّنَّةَ بِأَنَّ السَّفِیرَ لاَ یُقْتَلُ ، وَشَدَّدَ فِي النَّھْي عَنْ قَتْلِ الْمُعَاھدِینَ. . . إِلَى غَیْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّبِیلَةِ التِي طَھَّرَتِ الْحُرُوبَ مِنْ ادناس الْجَاھِلِیَّةِ، حَتَّى جَعَلَتْھا جِھادًا مُقَدَّسًا.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق