-->

الخراج وعشور التجارة | الخراج وعشور التجارة


 الخراج وعشور التجارة

           

 

                               مدخل الى الخراج

 

     الخراج من أكبر الموضوعات الأقتصادية في التاريخ الأسلامي هو الذي يدور حولة أو يتصل به أكثر النظم المالية في الإسلام ـــ وقد عني العلماء المتقدمون به عناية كبير من الوجهة الفقية : فكان أول أو أقدم كتاب و صل ألينا ـــ كتاب (( الخراج )) لأبي يوسف ، و كذلك كتاب يحيى بن آدم كتاباً مماثلاً بأسم ((  الخراج )) و كذلك كتاب أبو عبيد بن سلام في موضوع الخراج سماه  ((  الأموال  ))( 1 ) .....  ألخ

مفهوم الخراج لغة و اصطلاحاً

     الخراج في اللغة مشتق من الفعل الثلاثي " خرج " و الخراج اسم لما يخرج (2) ، وصله في قوله تعالى : (( أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير )) المؤمنون ، وقوله تعالى : (( فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا و بينهم سداً )) الكهف ، و جاء في كتب التفسير أن الخراج و الخرج سيء واحد بمعنى الأجر (3) ، وروي عن النبي ( صلى الله عليه و سلم ) قوله : (( الخراج بالضمان )) و المقصود هنا المبيع إذا كان له دخل و غلة(4) ، وفي معاجم اللغة " والخراج غلة العبد و الأمة "(5) ، و هذا ماقصده الماوردي ( 450 هـــ  /  1058 م  ) حين قال (( الخراج في لغة العرب اسم للكراء و الغلة ))(6) ، وورد أيضاً بمعنى الرزق و الجعل و العطاء (7) .

      ويأتي الخراج في الحديث أيضاً بمعنى مايقرره السيد على عبده أن يؤديه اليه كل يوم أو شهر أو نحو ذلك ، ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : (( أحتجم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حجمه ابو طيبه فأمر له رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) بصاع من تمر ، و أمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ))(8) ـــ  أي بمعنى الأجر . وجاء ذكر الخراج في قول الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) : (( هذا سوقكم فلا ينتقص و لا يضربن عليه خراج )) (9) ، أي بمعنى كل من يبيع و يشتري فيه فعليه كذا . و هي أيضاً بمعنى الأجر ، و من الأحاديث التي ورد فيها أيضاً لفظ الخراج ، حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لم ينه عن المزارعه ، ولكن قال (( لأن يمنع أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجا معلوماً )) (10)  ، وجاء في نسخه كتاب النبي صلى الله عليه و سلم الى أهل نجران قوله (( فما زادت حلل الخراج أو نقصت عن الاوافي فبالحساب )) (11)

     وفي أخبار الصحابة و التابعين رضي الله عنهم ، عن عائشة رضي الله عنها " كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، و كان ابو بكر يأكل من خراجه "(12) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " وقد رأيت احبس الأرض بعلوجها و أضع عليهم في الخراج"(13) . وجمع أهل اللغة " الخرج " أخراج " وجمع "الخراج " أخرجه كزمان و أزمنة و أخاريج (14) ، وكذلك نجد أن بعض اللغويين يؤكدون مصدرية كلمة " خرج " ولكن كلمة " الخراج " تعتبراسم لما يخرج قال الزجاج " الخرج مصدر و الخراج اسم لما يخرج " (15) فالخراج في اللغة اسم للغلة استخدمه علماء اللغة بمعنى واسع ، اذا أستخدموه مع ( الأرض ) للدلالة على ما تنتج ، و مع ( العبد ) للأشارة الى أجره ، و مع ( الحيوان).

    لتوضيح قيمة ما نتج عن استخدامه أو تأجيره ، فذكر الزبيدي " الخراج اسم ما يخرج من الأرض ثم أستعمل في منافع الأملاككريع الأرض و غلة العبيد و الحيوانات " (16) .

    ونص أيضاً على أن (( الجزية بمنزلة مال الخراج )) و هي تسمى أحياناً (( خراج الرأس)) كما قال ابو حنيفة : (( لا يترك ذمي في دار الإسلام بغير خراج رأسه )) (17) . وعن علي ابن ابي طالب أنه قال ـــ و هو يتحدث عن المجوس و أن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) أخذ منهم الجزية : (( فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) الخراج ، لأجل كتابهم )) (18) ، ومما يلحق بالخراج أيضا عند ابي يوسف العشور التي تؤخذ على التجارة فهو يقول : (( وسبيل ما يؤخذ من أهل الذمة جميعاً و أهل الحرب )) . وهو هنا يتكلم عن العشور ــ (( سبيل الخراج )) و كذلك ما يؤخذ جميعاً من جزية رؤسهم ، فأن سبيل ذلك كله سبيل الخراج ، يقسم فيه الخراج ))(19) . و مما يكن الأمر ، فالمؤكد أن هذه الأستعارة ــ إن كانت حدثت ــ لم تكن في العصر الإسلامي ، و لا وقعت كأثر للفتوح الإسلامية ، بل لابد أن حدوثها كان قبل مجيء الإسلام ، بوقت طويل أو قصير ؛ذلك لأننا نجد الكلمة قد أستعملت في القرآن الكريم و تكرر ورودها في الأحاديث ، و على لسان العرب فبل بدء الفتوح

     و هناك رأي يقول بأن الكلمة ليست عربية أصيلة ، و أنما هي نقلت من اللغة اليونانية ، عن طريق البيزنطييين ، أو هي تعريب الكلمة الآرامية (( choregia  )) و كانت تعني الضريبة بصفه عامة . و مما يكن الأمر ، فالمؤكد أن هذه الأستعارة ــ إن كانت حدثت ــ لم تكن في العصر الإسلامي ، و لا وقعت كأثر للفتوح الإسلامية ، بل لابد أن حدوثها كان قبل مجيء الإسلام ، بوقت طويل أو قصير ؛ذلك لأننا نجد الكلمة قد أستعملت في القرآن الكريم و تكرر ورودها في الأحاديث ، و على لسان العرب قبل بدء الفتوح (20)

أما الخراج اصطلاحاً فهو : شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم (21) ، وهو أيضاً ما يوضع من ضرائب على الأرض أو على محصولاتها (22) ، مقابل استغلال الزراع لها (23) ، و هو أقدم أنواع الضرائب(24) ، وقيل : الخراج هو الإتاوة تؤخذ من أموال الناس (25) .

      أما في الفقه الإسلامي فقد ربط مفهوم الخراج مع الأراضي التي فتحت عنوة ، كالسواد و الأراضي الريفية في الشام و مصر (26) ، و الذي أصبح أهم إيرادات بيت المال فيما بعد

 

              الخراج في عصر الرسول ( صلى الله علية و سلم )
                         و الخلفاء الراشدين

     نأخذ الأن في تتبع أدوار نمو الدولة الإسلامية وهي تسير موازية للفتوح ــ و ذلك بقصد دراسة الجانب المالي للدولة حديثة النشأة ، حيث بدأ تكوين هذه الدولة الإسلامية من الوجهة العملية ــ منذ أن هاجر النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الى يثرب ( المدينة ) و ذلك في عام 622م ( 1 من الهجرة ) ، فكان أول فتح إذن في الإسلام ــ و هو أيضاً أجل الفتوح فتح (( المدينة )) (27)، وهي لم تفتح بقتال و لا عناء ، ولكن بقبول أهلها طوعاً دعوه الإسلام ، كما عبر عن ذلك أحسن تعبير الحديث الشريف : (( ما يفتح من مصر أو مدينة عنوةً ، فإن المدينة فتحت بالقرآن )) (28)

      فكانت المدينة أذن هي النوة الدولة العالمية الإسلامية ، التي أخذت تنمو حولها شيئاً فشيئاً .وما أن أستقروا في المدينة ، كان قد أذن للمسلمين قبيل الهجرة ، بالقتال ــ بعد ما لاقوا من أذى خصومهم في مكة (29) ، كان لابد أن ينتج عن الحروب مغانم ، و أن يستولي المسلمين ــ نتيجة أنتصاراتهم ــ على أموال و أرضين . فتروى كتب السيرة أن أول غنيمة غنمها المسلمون كانت بعض إبل لقريش " محملة أدماً و تجارة " أصباتها ــ بمكان يقال له (( نخلة )) بين مكة و الطائف ، في السنة الثانية للهجرة(30) ، وفي رمضان ــ من نفس السنة الثانية ــ حدثت موقعة (( بدر الكبرى ))(31) فغنم المسلمون أموالاً و سلاحاً ، فقسمه بين المسلمين على السواء ، ولم تخمس غنيمة بدر ، وبعد بدر نقض يهود بني قينقاع العهد ، فغنم المسلمين أموالهم " ولم تكن لهم أرضون ، أنما كانوا صاغة " (32)

    أما أول أرض ملكها رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) فكانت الأرض التي أوصى له بها (( مخيريق )) ، وهو حبر من أحبار اليهود من علماء بني النضير، آمن برسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) ( 33)

     وكانت أول أرض افتتحها رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) هي أرض (( بني النضير))(34) . هكذا كانت الدولة الإسلامية في عهد الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) ، وقد امتد سلطانها ، حتى أصبح شاملاً لمكة و المدينة و ما حولهما ، وشمال الحجاز حتى مشارف الشام ، و نجران و اليمن ، و عمان ، و البحرين ، و مناطق عديدة وسط شمال الجزيرة .  لمّا آلت الخلافة إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وازدادت الفتوحات الإسلاميّة، واتّسعت رقعة الدّولة، وزادت نفقاتها، رأى عمر رضي الله عنه أن لا يقسم الأرض المفتوحة عنوةً بين الفاتحين، بل يجعلها وقفاً على جميع المسلمين ويضرب على من يقوم بزراعتها خراجاً معلوماً‏.‏ فوافقه بعض الصّحابة، وخالفه آخرون في بداية الأمر‏.‏

     قال أبو يوسف‏:‏ وشاورهم في قسمة الأرضين الّتي أفاء اللّه على المسلمين من أرض العراق والشّام فتكلّم قوم فيها، وأرادوا أن يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت، ما هذا برأي‏.‏ فقال له عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه‏:‏ فما الرّأي‏؟‏ ما الأرض والعلوج إلاّ ممّا أفاء اللّه عليهم‏.‏ فقال عمر‏:‏ ما هو إلاّ كما تقول، ولست أرى ذلك، واللّه لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلًّا على المسلمين‏.‏ فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشّام بعلوجها، فما يسدّ به الثّغور، وما يكون للذّرّيّة والأرامل بهذا وبغيره من أرض الشّام والعراق‏؟‏ فأكثروا على عمر رضي الله عنه، وقالوا‏:‏ أتقف ما أفاء اللّه بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم ولآباء أبنائهم ولم يحضروا (35)‏‏.‏

      وقد ذكر أبو يوسف رحمه الله أنّ بلال بن رباح كان من أشدّ الصّحابة وأكثرهم تمسّكاً بالرّأي المخالف، حتّى قال عمر رضي الله عنه‏:‏ اللّهمّ اكفني بلالًا وأصحابه ‏"‏ ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثةً أو دون ذلك وعمر رضي الله عنه يحاجّهم إلى أن وجد ما يؤيّد رأيه في كتاب اللّه تعالى، فقال‏:‏ قد وجدت حجّةً، قال تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ "سورة الحشر" حتّى فرغ من شأن بني النّضير فهذه عامّة في القرى كلّها‏.‏ ثمّ قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏} " سورة الحشر"‏ ثمّ قال ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏"سورة الحشر" .‏ ثمّ لم يرض حتّى خلط بهم غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏"سورة الحشر" فهذا فيما بلغنا - واللّه أعلم - للأنصار خاصّةً، ثمّ لم يرض حتّى خلط بهم غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}"سورة الحشر" ، فكانت هذه عامّةً لمن جاء بعدهم، فقد صار الفيء بين هؤلاء جميعًا فكيف نقسمه لهؤلاء، وندع من تخلّف بعدهم بغير قسم‏ ‏‏.‏ قالوا‏:‏ فاستشر‏.‏ فاستشار المهاجرين الأوّلين فاختلفوا، فأمّا عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه فكان رأيه أن يقسم لهم حقوقهم‏.‏ ورأي عثمان وعليّ وطلحة وابن عمر رضي الله عنهم رأي عمر‏.‏ فأرسل إلى عشرة من الأنصار‏:‏ خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم فلمّا اجتمعوا حمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال‏:‏ إنّي لم أزعجكم إلاّ لأن تشتركوا في أمانتي فيما حمّلت من أموركم، فإنّي واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرّون بالحقّ، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتّبعوا هذا الّذي هو هواي، معكم من اللّه كتاب ينطق بالحقّ فواللّه لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلاّ الحقّ‏.‏ قالوا‏:‏ نسمع يا أمير المؤمنين‏.‏ قال‏:‏ قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الّذين زعموا أنّي أظلمهم حقوقهم‏.‏ وإنّي أعوذ باللّه أن أركب ظلماً، لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت ولكن رأيت أنّه لم يبق شيء يفتح بعد كسرى، وقد غنّمنا اللّه أموالهم، وأرضهم، وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجّهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدّونها فتكون فيئًا للمسلمين، المقاتلة والذّرّيّة ولمن يأتي من بعدهم‏.‏ أرأيتم هذه الثّغور لا بدّ لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام - كالشّامّ، والجزيرة والكوفة، والبصرة، ومصر - لا بدّ لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج‏؟‏ فقالوا جميعاً‏:‏ الرّأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت إن لم تشحن هذه الثّغور وهذه المدن بالرّجال وتجري عليهم ما يتقوّون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم فقال‏:‏ قد بان لي الأمر، فمن رجل له جزالة، وعقل، يضع الأرض مواضعها، ويضع على العلوج ما يحتملون‏؟‏ فاجتمعوا على عثمان بن حنيف وقالوا‏:‏ تبعثه إلى أهمّ من ذلك، فإنّ له بصراً وعقلاً وتجربةً فأسرع إليه عمر فولّاه مساحة أرض السّواد‏(36) .‏

    أدلة أستند عليها الخليفة عمر بن الخطاب في مشروعية الخراج

يستند اجتهاد الإمام عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في تشريع الخراج إلى القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة والمصلحة‏.‏

1 - القرآن الكريم‏ :‏ بيّنت الآيات السّابقة الّتي احتجّ بها الإمام عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، حكم مسألة وقف أرض السّواد على جميع المسلمين‏.‏

2 - السّنّة النّبويّة‏:‏

أ - روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشّام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه‏.‏ وهذا الحديث من أعلام النّبوّة لإخباره بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج، ثمّ بطلان ذلك‏.‏ ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد علم أنّ الصّحابة رضوان الله عليهم سيضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك، بل قرّره وحكاه لهم، ولذلك قال يحيى بن آدم‏:‏ يريد من هذا الحديث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر القفيز والدّرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض‏ (37) .‏

 ب - روى أبو داود عن سهل بن أبي حثمة قال‏:‏ «قسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين، نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً»‏.‏ فالحديث فيه تصريح بما وقع من النّبيّ صلى الله عليه وسلم في شأن خيبر حيث وقف نصفها لمصلحة المسلمين‏.‏ وكذلك الحكم بالنّسبة للأرض المفتوحة عنوةً‏ (38) .‏

3- المصلحة‏ :

رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ من المصلحة عدم تقسيم الأراضي المفتوحة عنوةً، ووقفها على جميع المسلمين وضرب الخراج عليها‏.‏

وأهمّ ما تقضي به المصلحة في ذلك‏.‏

أ - تأمين مورد ماليّ ثابت للأمّة الإسلاميّة بأجيالها المتعاقبة ومؤسّساتها المختلفة‏:‏ نظر عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى مستقبل الأمّة الإسلاميّة وأجيالها القادمة، فرأى أنّ كثيراً منها سيقع في شظف العيش والحرمان، إذا ما قسمت تلك الأراضي المفتوحة عنوةً ووزّعت على الفاتحين‏.‏ ولهذا رأى عدم التّقسيم، ووقف الأرضين، وضرب الخراج عليها ليكون مورداً ماليّاً ثابتاً للأجيال القادمة‏.‏ وقال‏:‏ لولا أن أترك آخر النّاس ببّاناً ليس لهم من شيء ما فتحت عليّ قرية إلاّ قسمتها كما قسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكن أتركها خزانةً لهم‏ (39) .‏

ب - توزيع الثّروة وعدم حصرها في فئة معيّنة‏:‏ كما أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ‏}‏"سورة الحشر" وقد أشار معاذ بن جبل رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه، لمّا رأى إصرار بعض الصّحابة على التّقسيم بقوله‏:‏ واللّه إذاً ليكوننّ ما تكره‏.‏ إنّك إن قسمتها صار الرّيع العظيم في أيدي القوم يبيدونه فيصير ذلك إلى الرّجل الواحد، أو المرأة الواحدة، ثمّ يأتي من بعدهم قوم يسدّون من الإسلام مسدّاً، فلا يجدون شيئاً، فانظر أمراً يسع أوّلهم وآخرهم فرضي عمر قول معاذ، فوقف الأرض على المسلمين وضرب عليها الخراج، وأصبح ينفق منه على مصالح المسلمين جميعًا بما فيهم الفقراء والأغنياء‏ (40) .‏

 ج - عمارة الأرض بالزّراعة وعدم تعطيلها‏:‏ إنّ عمارة الأرض بالزّراعة والانتفاع بما في باطنها من معادن مطلوب من النّاس عامّةً، ومن المسلمين خاصّةً، فهو من مقتضيات الاستخلاف العامّ للنّاس في الأرض ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‏}"سورة البقرة"‏ .‏ وكان قصد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من ضرب الخراج أن تبقى الأرض عامرةً بالزّراعة فأهلها أقدر من الغانمين على ذلك لتوفّر الخبرة والقدرة على الزّراعة، ولذلك قال في أهلها‏:‏ يكونون عمّار الأرض فهم أعلم بها وأقوى عليها‏.‏ وقد سلك عمر رضي الله عنه في ذلك مسلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا فتحت خيبر وصارت الأرض والأموال المغنومة تحت يده ولم يكن له من العمّال ما يكفون عمارة الأرض وزراعتها، دفعها إلى أهلها على أن يزرعوها ولهم نصف ثمرتها‏ (41) .‏ وبقيت على ذلك طيلة حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه‏.‏ حتّى أجلاهم عمر رضي الله عنه إلى الشّام‏.‏

       أنــــــــــواع  الخـــــــــراج

قسّم الفقهاء الخراج - باعتبارات مختلفة - إلى أنواع‏:‏

فقسموه - باعتبار المأخوذ من الأرض - إلى خراج وظيفة، ومقاسمة‏.‏

 وقسموه - باعتبار الأرض الّتي تخضع للخراج إلى خراج عنويّ، وصلحيّ

وفيما يـــــلي هذه الأنـــــواع

أولاً‏:‏ خراج الوظيفة والمقاسمة

أ - خراج الوظيفة‏:‏  يسمّى هذا النّوع أيضاً خراج المقاطعة وخراج المساحة، لأنّ الإمام ينظر إلى مساحة الأرض ونوع ما يزرع عند توظيف الخراج عليها‏.‏ وهو أن يكون الواجب شيئاً في الذّمّة يتعلّق بالتّمكّن من الزّراعة، حتّى لو لم يقع الزّرع بالفعل فيجب الخراج على مالك الأرض، لأنّ التّمكّن من الانتفاع قائم وهو الّذي قصّر في تحصيله‏.‏ فيتحمّل نتيجة تقصيره‏.‏ وهذا النّوع من الخراج هو الّذي وظّفه أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه على أرض السّواد، ومصر، والشّام‏ (42) .‏

ب - خراج المقاسمة‏:‏  هو‏ أن يكون الواجب جزءاً شائعاً من الخارج من الأرض، كالرّبع والخمس وما أشبه ذلك‏.‏ وهذا النّوع من الخراج يتعلّق بالخارج من الأرض لا بالتّمكّن، فلو عطّل المالك الأرض لا يجب الخراج‏.‏ وقد حدث هذا النّوع في عهد المهديّ بن المنصور العبّاسيّ عام 169 هـ  ، حيث قرّره بدلاً من خراج الوظيفة الّذي كان معمولاً به منذ زمن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه‏ (43) .‏

    والفرق بين خراج الوظيفة، وخراج المقاسمة أيضاً، أنّ خراج الوظيفة يؤخذ مرّةً واحدةً في السّنة، ولا يتكرّر بتكرّر الخارج من الأرض‏.‏ أمّا خراج المقاسمة فيتكرّر أخذه بتكرّر الخارج من الأرض‏.‏

ثانياً‏:‏ الخراج الصّلحيّ والعنويّ

أ - الخراج الصّلحيّ‏:‏  هو الخراج الّذي يوضع على الأرض الّتي صولح عليها أهلها على أن تكون الأرض لهم، ويقرّون عليها بخراج معلوم‏.‏ قال الباجيّ‏:‏ فما صالحوا على بقائه بأيديهم من أموالهم فهو مال صلح، أرضاً كان أو غيره‏ (44) .‏

ب - الخراج العنويّ‏ :‏  هو الخراج الّذي يوضع على الأرض الّتي افتتحت عنوةً بعد أن وقفها الإمام على جميع المسلمين‏.‏ ويدخل في هذا النّوع الخراج الّذي يوضع على الأرض الّتي جلا عنها أهلها خوفاً وفزعاً من المسلمين‏.‏ وكذا الخراج الّذي يوضع على الأرض الّتي صولح أهلها على أن تكون للمسلمين ويقرّون عليها بخراج معلوم‏.‏ قال الباجيّ‏:‏ وما صالحوا به أو أعطوه على إقرارهم في بلادهم وتأمينهم كان أرضاً أو غيره فإنّه ليس بمال صلح، ولو أنّ أهل حرب قوتلوا حتّى صالحوا على أن لا يكون لهم في الأرض حقّ ويؤمّنون على الخروج من البلد أو المقام به على الذّمّة، لمّا كانت تلك أرض صلح، وإنّما تكون أرض صلح ما صولحوا على بقائها بأيديهم سواء تقدّم ذلك حرب، أو لم يتقدّمه حرب (45) ‏.‏

     وأمّا العنوة فهي الغلبة، فكلّ مال صار للمسلمين على وجه الغلبة من أرض أو عين دون اختيار من غلب عليه من الكفّار فهو أرض عنوة سواء دخلنا الدّار غلبةً، أم أجلوا عنها مخافة المسلمين، تقدّمت في ذلك حرب، أم لم تتقدّم، أقرّ أهلها فيها أم نقلوا عنها‏.‏‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ ومرادنا بالصّلح والعنوة أنّ الأرض آل حالها إلى أن استقرّت بأيدي أربابها بصلح صالحوا عليها أو زال عنها ملكهم بالعنوة والغلبة‏ (46) .‏

 

                    أنــــــــواع  الأرض الخــــــراجــــــية

النّوع الأوّل‏:‏ الأرض الّتي صالح المسلمون أهلها عليها وهي نوعان‏:‏

الأوّل‏:‏ أن يقع الصّلح على أنّ الأرض لأهلها، وللمسلمين الخراج، فهي مملوكة لأهلها وتعتبر أرضاً خراجيّةً‏.‏

والثّاني‏:‏ أن يقع الصّلح على أنّ الأرض للمسلمين ويقرّ أهلها عليها بخراج معلوم‏ .

 النّوع الثّاني‏:‏ الأرض الّتي جلا عنها أهلها خوفاً وفزعاً وبدون قتال‏.‏ فهي أرض خراجيّة وتصير وقفاً على جميع المسلمين بمجرّد الاستيلاء عليها عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية، وذلك لأنّها فيء وليست غنيمةً‏.‏ وذهب أحمد في رواية ثانية إلى أنّ حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوةً فلا تصير وقفاً على المسلمين إلاّ بوقف الإمام لها، لأنّها مال ظهر عليه المسلمون بقوّتهم فلا يكون وقفاً بنفس الاستيلاء كالمنقول‏.‏ أمّا أرض العرب فكلّها أرض عشريّة، لأنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام والخلفاء الرّاشدين لم يأخذوا الخراج من أرض العرب، ولأنّه بمنزلة الفيء فلا يثبت في أراضيهم، كما لا تثبت الجزية في رقابهم (47) .‏

النّوع الثّالث‏:‏ الأرض الّتي افتتحها المسلمون عنوةً‏:‏  اختلف الفقهاء في تقسيم الأرض الّتي افتتحت عنوةً بين الفاتحين‏.‏ فيرى بعضهم وجوب تقسيمها، ويرى آخرون وقفها، ويرى بعضهم تخيير الإمام بين هذين الأمرين‏ (48) .‏

 

عشور التجارة

      هي  الأموال التي يتم تحصيلها على التجارة التي تمر عبر حدود الدولة الإسلامية سواء داخلة أو خارجة من أراضى الدولة، وهي أشبه ما تكون بالرسوم الجمركية في العصر الحاضر، ويقوم بتحصیلها موظف يقال له: ( العاشر) أي: الذي يأخذ العشور(49)، ولم يكن لهذه الضريبة وجود في عهد النبي( صلى الله عليه وسلم ) ، وخليفته الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأن تلك الفترة كانت فترة دعوة إلى الإسلام، والجهاد في سبيل نشره، وبناء الدولة الإسلامية ، فلمًا اتسعت الدولة في عهد الخليفة عمر ــ رضى الله عنه ــ وامتدت حدودها شرقا، وغربا ،  وصار التبادل التجاري مع الدول المجاورة ضرورة تمليها المصلحة العامة؛ رأى الخليفة عمر ــ رضي الله عنه - أن يفرض تلك الضَّريبة على الواردين إلى دار الإسلام، كما كان أهل الحرب يأخذونها من تجار المسلمين القادمين إلى بلادهم، معاملة بالمثل.

     وقد أجمع المؤرّخون : أن أوّل من وضع العشر في الإسلام عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ  وذلك عندما كتب إليه أهل منبج ومن وراء بحر عدن يعرضون عليه أن يدخلوا بتجارتهم أرض العرب، وله منها العشر، فشاور عمربن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ  في ذلك أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأجمعوا على ذلك ، فهو أول من أخذ منهم العشر ولكن عمر أراد أن يتأكد من مقدار ما تأخذه الدول الأخرى من تجار المسلمين أذا  اجتازوا حدودهم، فسأل المسلمين كيف يصنع بكم الحبشة إذا دخلتم أرضهم ؟ قالوا: يأخذون عشر ما معنا، قال: فخذوا منهم مثل ما يأخذون منكم (50) ،  وسأل أيضاً عثمان بن حنيف: کم يأخذ منكم أهل الحرب إذا أتيتم دارهم ؟ قال : العشر، قال عمر: فكذلك فخذوا منهم (51)

    وروي : أن أبا موسى الأشعري كتب إلى الخليفة عمر ــ رضي الله عنه ــ إن تجاراً من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب، فيأخذون منهم العشر. فكتب إليه الخليفة عمرــ رضي الله عنه ــ : خذ أنت منهم  كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة  نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً، وليس فيما دون المئتين شيء، فإذا کانت مئتين ففيها خمسية دراهم، وما زاد فبحسابه ( 52) ، وقد ساهم هذا التشريع الجديد في تنظيم العلاقات التّجارية بين الدول.

    وقد حققت التجارة الإسلاميّة مكاسب كبيرة في عالم التجارة، حيث فتحت أبواب الدولة الإسلامية للجارة، وجلبت البضائع، والسلع إلى الدولة الإسلامية من كل أنحاء العالم. وهذا بطبيعة الحال شجع التاجر المسلم، والأجنبي على زيادة نشاطهم في التصدير، والاستيراد من جميع أنحاء العالم، وبذلك نشطت المراكز التجارية داخل بلاد الدولة الإسلاميَّة، بما فيها الجزيرة ، وزادت حركة القوافل التِّجارية القادمة، والذاهبة من أقاليم الجزيرة إلى الأقاليم الإسلامية الأخرى، كما استقبلت موانأی بلاد الإسلام السفن الكبيرة التي تصل إليها من الهند، والصين، وشرقي إفريقية محملة بأغلى، وأنفس البضائع، وظهر ذلك جليا في العصر الراشدي، والدولة الأموية (53) ۔

    وقد كان في عهد عمر عشارون يأخذون زكاة ما يمر بهم من أموال التجار، ويعتبرون  النّصاب، والحول . قال أنس بن مالك: بعثني . عمر بن الخطاب على جباية العراق ، وقال : إذا بلغ مال المسلم مئتي درهم؛ فخذ منها خمسة دراهم، وما زاد على المئتين؛ ففي كل أربعين درهما درهم.(54)

وذكر الشيباني: أن عمر بن الخطّاب بعث زياد بن جرير، وقيل: زياد بن حدير مصدقا إلى عين التمر، وأمره بأن يأخذ من أموالهم ربع العشر، ومن أهل الذمة إذا اختلفوا بها للتجارة  نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب العشر، وجعل عمر بن الخطاب نفقة العاشر ــ أي : المصدق ــ من المال الذي يأخذه (55)

    إن من يفكر في ذلك التحديد الذي رسمه الخليفة عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ  قد يصل إلى أنه فرض العشر على الحربيين لمعاملتهم المسلمين كذلك، فهذا مبدأ المعاملة بالمثل، وأنه فرض نصف العشر على أهل الذمة تمييزاً  لهم عن المسلمين، وتطبيقا لما سبق: إن فرضه على نصارى بني تغلب الذين قبلوا أن تؤخذ منهم الجزية ضعف ما يؤخذ من المسلمين من  الصدقة، وإن ما قرره على المسلمين هو بمثابة زكاة، ومعروف نصاب الزكاة لعروض التجارة هو  الذي جعله حدا أدني لأخذها، ومنع من تكرار أخذها من المسلمين ، وأهل الذمة ، ما دام رأس المال ثابتاً، والبضاعة الواردة لم تزد قيمتها عنه، ولو تكرر مرات دخولها إلا بعد الحول ، وتمشيا لمبدأ المعاملة بالمثل ، فإنه حينما يرفع أهل الحرب ما يأخذونه من المسلمين من ضريبة، فيحق للمسلمين رفع الضّريبة على ما يرد منهم إلى دار الإسلام بنفس النسبة، وكذلك الحال عند إسقاطهم لها، فعلى المسلمين إسقاطها عنهم، وهذا ما تسير عليه الدول حديثا، ويسمى برفع الحواجز الجمركية (56) ، وعندما يكون المسلمون في حاجة إلى بعض البضائع، والمنتجات الواردة إليهم، فإنهم يخفضون، أو يعفون التجار من ضريبتها تشجيعا لتوريدها ، والإكثار منها ، وقد فعل الخليفة عمر ــ رضي الله عنه ــ  ذلك حين أمر عماله أن يأخذوا نصف العشر من الحربيين حين دخولهم الحجاز بالزيت، والحبوب، كما أمر بإعفائهم أحيانا أخرى، فعن الزهريّ عن سالم، عن أبيه، عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يأخذ من النبط من القطنيّة العشر، ومن الحنطة والزبيب نصف العشر؛ ليكثر الحمل إلى المدينة (57) .

     وقد كان لهذه التنظيمات المالية التي وجدت أيام الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ــ النفع الكبير في سهوله التبادل التجاري بين المسلمين، وجيرانهم، و ورود أصناف متعددة من متطلبات الناس واحتياجاتهم، فهو لم يقتصر على تنظیم المواد الاتية إلى بيت المال، بل نظم الطرق التي بواسطتها، وبسببها يزداد دخل بيت المال، وتنعم البلاد بالرخاء، ورغد العيش، ومن ذلك اهتمامه بالتجارة الخارجيّة، وحسن معاملته لأهلها، وتتبعه العمال، والأمراء، والكتابة إليهم بذلك، وحرصه علی استيفاء حقوق الدولة من غير تعشف في جبايتها (58)  .

 

 

                                   الهوامــــــــش

1-   الريس ، محمد ضياء الدين ، الخراج و النظم المالية للدولية الأسلامية ، ص 121

2-   ابن منظور ، محمد بن مكرم بن على، لسان العرب ،مادة خرج ، دار صادر – بيروت ، ج 2 ، ص 252

3-   الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري ، جامع البيان في تأويل القرآن ، مطبعة مؤسسة الرسالة ،ج 18 ، ص 111

4-   ابن عبادة ،لصاحب الكافي الكفاة أب القاسم إسماعيل ابن عباد بن العباس بن أحمد بن إدريس الطالقاني ، المحيط في اللغة ، دار النشر : عالم الكتب - بيروت / لبنان ، ط 1 ، ج 4 ، ص 206

5-   ابن منظور ، لسان العرب ، ج 2 ،  ص 252

6-   الماوردي ، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 140

7-   الريس ، محمد ضياء الدين ، الخراج و النظم المالية للدولية الأسلامية ، ص 121

8-   مسلم بن الحجاج ، صحيح مسلم ، دار طيبة ، ج 3  ، ص 1204

9-   ابن ماجه ، محمد بن يزيد بن ماجة القزويني أبو عبد الله  ، سنن ابن ماجه ، ج 2 ، ص 751

10-                      أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني ، سنن ابي داود ، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت ، ج2 ، ص 231

11-                      أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ، الخراج ، دار المعرفة ، ص 78

12-                      البخاري ،الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، دار ابن كثير - لبنان _ بيروت ، ج 2 ،  ص 319

13-                      أبو يوسف ، الخراج ، ص 25

14-                      الرازي ، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح ،  مكتبة لبنان ، ص190

15-                      ابن منظور ، لسان العرب ، ج 3 ، ص  251

16-                      الزبيدي ، محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى ، تاج العروس من جواهر القاموس ، ج 2 ، ص 28

17-                      ابو يوسف ، الخراج ، ص 88

18-                      أبو يوسف  ، الخراج  ، ص 78

19-                      أبو يوسف  ، الخراج ،  ص 88

20-                      البلاذري ، أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر ، فتوح البلدان ، دار الكتب العلمية ، ص 21

21-                      الزبيدي ، تاج العروس ، ج 1 ، ص 184ــ185

22-                      الريس ، الخراج ، ص 127

23-                      الريس ، الخراج  ، ص 128

24-                      د. أحمد شبلي ، السياسة في الفكر الإسلامي ، مكتبة النهضة المصرية ، ص 229

25-                      الزبيدي ، تاج العروس ، ج 1 ،  ص 184 ــ 185

26-                      ابن منظور ، لسان العرب ، ج 15 ، ص 101

27-                      قدامة بن جعفر ، الخراج و صناعة الكتابة ، ص 118

28-                      البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 14

29-                      ابن هشام ، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري ، السيرة النبوية ، دار الكتاب العربي ، ج 2 ،ص 238

30-                      ابن الأثير ، علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ، الكامل في التاريخ ، دار الكتب العلمية ، ج 2 ،  ص42

31-                      الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآمليي، تاريخ الرسل و الملوك ، دار التراث – بيروت ،ج2 ، ص266

32-                      ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 2 ،  ص43

33-                      ابن هشام ، السيرة النبوية ،  ج 2 ، ص 140

34-                      البلاذري ، فتوح البلدان ،  ص  23

35-                      ابو يوسف  ، الخراج  ، ص 25

36-                      ابو يوسف ، الخراج  ، ص 25 ــ 26 ــ27

37-                      يحيى بن آدم ، الخراج ، ط 1 ، دار الشروق ، ص 39

38-                      يحيى بن آدم ، الخراج  ،  ص 39

39-                      الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 146

40-                      البلاذري ، فتوح البلدان ، ج 1، ص 179

41-                      د. علي محمد محمد الصلابي ، عمر بن الخطاب ، ط 1 ، دار لبن كثير ، ص 390

42-                      علي بن محمد الجمعة ، معجم المصطلحات الأقتصادية و الإسلامية ، مطبعة العبيكان ،  ص 231

43-                      المصدر نفسه،233.

44-                      علي بن محمد الجمعة ، معجم المصطلحات الأقتصادية و الأسلامية ،ص232

45-                      ابو الوليد الباجي ، المنتقى شرح الموطإ ، ج 3  ،  ص 219

46-                      المصدر نفسه،221.

47-                      ابو يوسف  ،  الخراج ، ص 69

48-                      ابو الوليد الباجي ، المنتقى شرح الموطإ ، ج 3 ، ص 219

49-                      عبدالله جمعان سعيد السعدي ،  سياسة المال في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ، ط 1 ،  مكتبة المدارس ــ قطر ، ص 128

50-                      محمد رواس قلعه جي ، موسوعة فقه عمر بن الخطاب ، ص 651

51-                      المصدر نفسه، ص663.

52-                      محمد العمادي ، التجارة و طرقها في الجزيرة العربية ، ص 332

53-                      د. محمد ضيف البطاينة ، الحياة الإقتصادية فى العصور الإسلامية الأولى ، ص 101

54-                      المصدر نفسه،ص123.

55-                      عبدالله جمعان سعيد السعدي  ، سياسة المال في الإسلام  ، ص 132

56-                      المصدر نفسه،ص133.

57-                      المصدر نفسه،ص130.

58-                      د. جميل عبدالله المصري ، تاريخ الدعوة الأسلامية ، ص 322

                   

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *