-->

الاندلس | الاندلس التسمية والفتح الاسلامي

تسمية الاندلس

 

                 الاندلس التسمية وقبيل الفتح الاسلامي

اولاً: تسمية الاندلس:

       لفظ ”الأندلس“ معربٌ في الغالب من لفظ ”الوندال“ الذین یسمون في اللغات الأوروبیة الفاندال“ أو ”الفاندالوس“، وھذا النطق على الأرجح لبربر طنجة. تقع شبھ الجزیرة الأیبیریَّة في الجنوب الغربي من أوروپَّا على مُثلَّثٍ من الأرض یضیق مع التوجُّھ نحو الشرق، ویتسع غربًا، مُقابل السواحل الشمالیَّة لِلمغرب الأقصى، حیثُ یفصل بینھما بحر الزقاق، وتتصل في الشمال بِفرنسا بِواسطة سلسلةٍ جبلیَّةٍ تُعرف بِجبال «البرتات» أو «البرانس» أو «الپیرنیھ»، وھي جبالٌ شاھقة تمتد من منطقة برشلونة في الشرق حتَّى مدینة بیونة في الغرب، وتتخلَّلھا شعابٌ ضیِّقة وممرَّاتٌ وعرة أشھرھا باب الشزري المعروف أیضًا بِممر الرونسڤال. وباستثناء تلك الناحیة فإنَّ المیاه تُحیطُ بِشبھ الجزیرة من كُل جانب، ممَّا حدا بِالجُغرافیین المُسلمین إلى وصفھا بِالجزیرة تجوزًا، إذ یمتد البحرُ المُتوسِّط على طول ساحلیھا الشرقي والجنوبي من السُطوح الشرقیَّة لِجبال البرتات حتَّى مضیق جبل طارق، الذي یفصل شبھ الجزیرة عن شمالي أفریقیا بما لا یزید عن اثني عشر میلاً، ویلتقي عنده البحر المُتوسِّط بِالمُحیط الأطلسي الذي یُطوِّق شبھ الجزیرة من ناحیتيّ الغرب والشمال، حتَّى الحد الغربي لِجبال البرتات حیثُ یُعرف في ھذه الناحیة الشمالیَّة بِالبحر الكانتبري أو بِخلیج بسكاي.

     وبِذلك تنعزل شبھ الجزیرة عن جیرانھا. والواقع أنَّ جبال البرتات تُشكِّلُ سدًا یحولُ دون اتصال أیبیریا وفرنسا، وأنَّ منطقة جبل طارق تجعل الاتصال مع المغرب أكثر سُھُولةً ویُسرًا، لِذلك أضحت شبھ جزیرة أیبیریا تُقبل بِوجھھا على شمالي أفریقیا وتُولي ظھرھا لأِوروپَّا، وھذا ما أجمع علیھ الجُغرافیُّون المُسلمون الذین عدُّوھا امتدادًا لأِفریقیا، ولیست رقعة من القارَّة الأوروپیَّة. والمعروف أنَّ شبھ الجزیرة الأیبیریَّة تتشابھ مع المغرب في كثیرٍ من المعالم النباتیَّة والحیوانیَّة وبِخاصَّةً منطقتيّ طنجة وسبتة. وعلى الرُغم من أنَّ أیبیریا تتكوَّن، في مُعظمھا، من ھضبةٍ كبیرةٍ تُعرف بـ«المسیتا» وھو ما یجعلھا تبدو وكأنَّھا وحدة جُغرافیَّة، إلاَّ أنَّ كثرة الجبال التي تمتد في مُعظمھا في اتجاهٍ أُفقيٍّ من الشرق إلى الغرب، فضلاً عن الأودیة العمیقة فیما بینھا، قد فتَّتت ھذه الوحدة، وأعاقت الاتصال بین الأجزاء المُختلفة لِشبھ الجزیرة، فنشأت وحدات محلیَّة تنفصل كُلٌ منھا عن الأُخرى بِحواجز طبیعیَّة، ممَّا أثَّر على الأوضاع السیاسیَّة.

     ویُلاحظ تنوُّع الخصائص الجُغرافیَّة لأِیبیریا من تبایُن سطح الأرض، وتعدُّد الأقالیم المُناخیَّة، والغطاء النباتي، حیثُ تسود البلاد ثلاثة أنماط مُناخیَّة. ففي الشمال الغربي مُناخٌ مُحیطيٌّ حیثُ ینھمرُ المطر بغزارة على مدار السنة وینتج عنھ نُشوء مزارع غنیَّة. ویسود في الوسط مناخٌ قاريٌّ شبھ جاف تُغطیھ أعشابٌ قلیلة. ویعتدل المُناخ في الجنوب الشرقي صیفًا، وھو أدنى إلى الجفاف في الشرق. وبِوجھٍ عام تعیشُ مُعظم البلاد في ظل المطر. أدَّت ھذه الأنماط المُناخیَّة إلى تنوُّع الحیاة الزراعیَّة، من أقالیم تعتمد كُلیًّا على میاه الأمطار، إلى تفاوت من مكانٍ لآخر، إلى مناطق تعتمد على میاه الأنھار التي تفیضُ أحیانًا وتجفُّ أحیانًا مع ما تُسبِّبھُ من أخطار في كلتا الحالتین 

   ثانياً: الاندلس قبل الفتح الاسلامي 

    كانت مملكة القوط الغربیین قائمة في شبھ الجزیرة الأیبیریَّة مُنذ سنة 418م، عندما خلع الملك «والیا» ما بقي من الطاعة لِلرومان، وضرب النُقود باسمھ وفرض الضرائب على رعایاه من القوط والغالیین. ,وفي الوقت الذي فتح فیھ المُسلمون بلاد المغرب، كانت المملكة القوطیَّة في أیبیریا المُقابلة تشھد تطوُّرات سلبیَّة مُتلاحقة أدَّت إلى انحلالھا وضعفھا. وتجلَّت مظاھر الانحلال السیاسي بین أفراد الطبقة الحاكمة، ذلك أنَّ نظام الحُكم القوطي كان ملكیًّا قائمًا على مبدأ الانتخاب، حیثُ یجتمع النُبلاء ورجال الدین، بعد وفاة الملك، لاختیار خلفٍ لھ من بینھم. 

   وتأكَّد ھذا المبدأ في مجمع طُلیطلة الرَّابع الذي انقعد في سنة 633م، وفي مجامع تالیة، أھمھا المجمع الثامن في سنة 653م. ونظرًا لِطبیعة التنظیم القبلي لِمُجتمع المملكة القوطیَّة، حاول بعض المُلوك الخُروج على ھذا المبدأ وجعل نظام الحُكم وراثیًّا، ممَّا أدَّى إلى إثارة التنافُس بین الطامعین في العرش، حتَّى أضحى تاریخ الملكیَّة القوطیَّة، في أواخر عھد المملكة، سلسلة من المُؤامرات والاغتیالات والحُروب الداخلیَّة.  

      ولم یلبث ھذا الصراع الداخلي أن دخل مرحلتھ الأخیرة في عھد الملك إخیكا، واستمرَّ في عھد خُلفائھ، وأدَّى إلى ضعف المملكة وسُقوطھا بیُسر في أیدي المُسلمین. فقد خرج إخیكا على قرارات المجامع المُتعددة حین أشرك معھُ ابنھ غیطشة في الحُكم تمھیدًا لِتعیینھ خلفًا لھ، وأقدم في الوقت نفسھ، على سمل عینيّ الدوق تیودوفریدو، مُرشَّح المُعارضة، فانسحب ھذا من الحیاة السیاسیَّة مع ابنھ لُذریق (رودریك). تُوفي إخیكا في سنة 83ھـ المُوافقة لِسنة 702م، فخلفھ ابنھ غیطشة مُتجاھلاً مبدأ الانتخاب المُتفق علیھ، ممَّا أثار حفیظة النُبلاء ورجال الدین. 

     بدأ ھذا الملك حیاتھ السیاسیَّة بِإصلاح أوضاع الدولة التي بلغت مرحلة خطیرة من الانھیار، فتقرَّب من المُعارضة، وعیَّن تیودوفریدو حاكمًا على مُقاطعة «بیتیكا»، ومع ذلك لم یستطع أن یُزیل الحقد من نُفُوس خُصومھ، كما ألَّب علیھ النُبلاء ورجال الدین عندما حاول أن یحد من نُفوذھم ویُقلِّص امتیازاتھم، ویُخفف الضغط الاقتصادي عن الیھود؛ ممَّا دفعھم إلى إعلان الثورة على حُكمھ، وحاكوا المُؤامرات لِلتخلُّص منھ، فاضطرَّ إلى مُحاربتھم، حتَّى تقدمت بھ السن وعجز عن مُتابعة أعمالھ العسكریَّة.

     وممَّا زاد أوضاع البلاد تفاقُمًا تدخُّل زوجة غیطشة في سیاسة الدولة، إذ أقنعت زوجھا بِتعیین ابنھ الصبي أخیلا خلفًا لھ، مُكررًا ظُروف اعتلائھ السُلطة، كما عیَّنھُ حاكمًا على مُقاطعتيّ طرَّكونة وناربونة في الشمال. وبِفعل صغر سنِّھ، عیَّن عمِّھ «خشندس» وصیًّا علیھ. لُذریق (واسمھ الفعلي رودریك) آخر مُلوك القوط في أیبیریا. وبِھذا الشكل، تأزَّمت الأُمور من جدید بعد وفاة غیطشة في سنة 91ھـ المُوافقة لِسنة 710م، ذلك أنَّ ابنھ وخلیفتھ أخیلا امتنع عن الذھاب إلى طُلیطلة لاستلام الحُكم، وظلَّ قابعًا في مقر حُكمھ في الشمال، فاضطرَّت والدتھ إلى ملء الفراغ فأدارت الشُؤون العامَّة بِمُساعدة أخي زوجھا المُطران أرطباس (أوپاس)، لكنَّ النُبلاء ورجال الدین رفضوا تقدیم الولاء لِھذه الأُسرة الحاكمة، وأعلنوا عدم الخُضُوع لِلصبي أخیلا، كما خشوا من استبداد الوصي بِالحُكم؛ فامتنعوا عن طاعتھ، واستقلَّ بعضُھم في الأطراف والنواحي، وسادت الفوضى وعمَّ الارتباك في البلاد. واشتدَّت حركة التمرُّد في طُلیطلة، الأمر الذي دفع الأُسرة الحاكمة إلى مُغادرتھا خوفًا من بطش المُعارضة، وفرُّوا إلى مُقاطعة جُلیقة في الشمال الغربي من البلاد، فخلت السُلطة السیاسیَّة مُجددًا. عندئذٍ اجتمع كِبار النُبلاء ورجال الدین واختاروا لُذریق خلیفةً لِغیطشة

    واجھ لُذریق، خلال حیاتھ السیاسیَّة، عدَّة صعاب لم یتمكَّن من تجاوزھا وأدَّت إلى نھایة المملكة القوطیَّة، فقد كان بِحاجةٍ إلى المال لِلإنفاق على الحملات العسكریَّة وإخضاع الثورات التي اندلعت ضدَّ حُكمھ في جھاتٍ عدیدة، وعندما حاول الاستیلاء على خزائن أسلافھ الموجودة في كنیستيّ القدیس بدروس والقدیس بولس في طُلیطلة، واجھ مُعارضة من جانب رجال الدین، عندئذٍ لجأ إلى فرض مزیدٍ من الضرائب ومُصادرة بعض ثروات الكنیسة. كما واجھ الملك القوطي انقساماتٍ سیاسیَّةٍ حادَّة، وبِخاصَّة في الشمال، نتج عنھا فتن وحركات عصیان، فقضى مُعظم أیَّام حُكمھ قصیرة الأمد ینتقل من جبھة إلى جبھةٍ أُخرى لإِخمادھا، لِذلك لم یشعر بِالخطر القادم من الجنوب إلاَّ بعد فوات الأوان. وممَّا زاد الأُمور تعقیدًا ھُروب العبید من الخدمة العسكریَّة، ویدُل ھذا على ضعف القوط المُتجذِر وإلى الحد الذي وصل إلیھ تدھوُر قُوِّتھم.

      والمعروف أنَّ غالبیَّة أفراد الجیش القوطي كانت، مُنذ أواخر القرن السابع المیلادي، تتألَّف من العبید المُجنَّدین، وذلك بِفعل أنَّ القوط ركنوا إلى حیاة الدعة والترف، فھجروا مھنة الحرب التي فُطروا علیھا، وفقدوا صفاتھم العسكریَّة، ولم یعودوا أولئك الغُزاة الأشدَّاء. تعرَّض لُذریق أیضًا لِضغطٍ عسكريٍّ من جانب خصمھ أخیلا الذي عدَّهُ مُغتصبًا لِلسُلطة، فأعدَّ جیشًا كبیرًا، بِقیادة مُستشاره ریكیسندو، ودفعھُ نحو الجنوب إلى طُلیطلة لِخلعھ واستعادة العرش، وعلى الرُغم من انتصار لُذریق فإنَّ ھذا النصر كان قصیر الأمد، فضلاً عمَّا تلاه من ازدیاد الفوضى في البلاد. كما ظھر حزبان كبیران مُتعارضان في توجُّھاتھما وأھدافھما انقسم بینھما أھالي البلاد، الأمر الذي وضع المملكة في جوٍ مشحونٍ قابلٍ لِلانفجار في أي وقت

  ثالثاً: الفتح الاسلامي للأندلس

    یُعَدالفتح الإسلامي لشبة الجزیرة الأیبیریة – إسبانیا والبرتغال – أمرًا طبیعیًا حسب الخطة التي اتبعھا المسلمون أثناء فتوحاتھم وھي تأمین حدودھم ونشر دعوتھم، فبعد أن وصل تیار الفتح إلى شمال إفریقیة، وبعد أن أرسى موسى بن نصیر ومن معھ كلمة الإسلام في الشمال الإفریقي، كانت الخطوة التالیة الطبیعیة ھي فتح الأندلس. دخل الإسلام بلاد الأندلس من عام 92ھـ واستمر حكم المسلمین بھا إلى عام 897ھـ وھي فترة طویلة شھدت أحیانًا قوة المسلمین وأحیانًا أخرى ضعف وتخاذل إلى أن سقط الحكم الإسلامي بتلك البلاد، وتعرف الأندلس بھذا الاسم نسبة إلي قبائل الفندال أو الوندال فسمیت ھذه البلاد بفاندالیسیا ومع الأیام حُرّف إلى أندولیسیا فأندلس. فكرة الفتح : تعود فكرة فتح الأندلس إلى أیام الخلیفة الراشد عثمان بن عفان، فقد فكر عقبة بن نافع سنة 63ھـ في اجتیاز المضیق إلى إسبانیا، ولكن التنفیذ الفعلي للفتح كان في زمن الخلیفة الأموي الولید بن عبد الملك، بعد أن نُوقِشَت خطة الفتح بینھ وبین قائده على شمال إفریقیة موسى بن نصیر، موسى بن نصیر: ولد موسى في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنھ سنة 19ھـ= 640م، بقریة یقال لھا كفر متري – من قرى أرض الشام في جبل الجلیل- ونشأ في وسط وثیق الصلة بأمور الحرب والجندیة، فتوطدت صلتھ بقادة الفتح وأعلام الفكر الإسلامي، في دار الخلافة بالشام، وأخذ عن أبیھ الجرأة والصراحة والورع، فظھرت علیھ علامات الطموح ومؤھلات القیادة منذ نعومة أظفاره، وكانت نشأتھ مع أبناء الخلفاء الأمویین كمروان بن عبد الملك وبشر بن مروان من العوامل التي مھدت لھ طریق المستقبل.

    بعد نقاش فكرة الفتح أرسل موسى بن نصیر أحد ضباطھ ویدعى طریف بن مالك المعافري على رأس قوة عسكریة إلى ساحل إسبانیا الجنوبي في مھمة استطلاعیة وذلك في عام 91ھـ= 710م فنزل طریف في جزیرة بالوماس، وأغار على المناطق المجاورة وأصاب سبیًا كثیرًا وعاد محملاً بالغنائم، وأقنعتھ ھذه الحملة بضعف وسائل الدفاع الإسباني، بعد ذلك أرسل موسى بن نصیر في عام 92ھـ= 711م قوة عسكریة قوامھا سبعة آلاف مقاتل بقیادة طارق بن زیاد نائبھ على طنجة. طارق بن زیاد: من المعروف أن طارق مولى مغربي أمازیغي لموسى بن نصیر، وھو أیضا من البربر الزناتیین أو النفزاویین، وقد أسلم والد طارق منذ أیام عقبة بن نافع الفھري.وقد قیل إن طارق: طویل القامة، ضخم الھامة، أشقر اللون، وتنطبق ھذه الصفات على عنصر البربر". وقد كان طارق بن زیاد حسب الروایات الأدبیة والنقدیة شاعرًا؛ إذ أورد لھ المقَّرِي في كتابھ (نفح الطیب) بعض الأبیات الشعریة نقلاً عن الحجاري في المسھب وابن الیسع في المغرب، وھي

ركبنا سفینــــا بالمجاز مقیرا عسى أن یكون الله منا قد اشتـرى         نفوسا وأموالا وأھلا بجنة إذا ما اشتھینا الشيء فیھا تیســــرا

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *