-->

الترجمة والعلوم العفكرية والعقلية| كيف تطورت العلوم الانسانية (الفكرية)، والعلمية (العقلية) في الحضارة العربية الاسلامية

العلوم العقلية والترجمة

 

                               بسم الله الرحمن الرحيم

كيف تطورت العلوم الانسانية (الفكرية)، والعلمية (العقلية)
في الحضارة العربية الاسلامية

 

المقدمة    

       تعتبر العلوم العقلية الشق الثاني في العلوم التي تسايرت والحضارة العربية الإسلامية إذ كانوا يطلقون عليها الطبيعيات، هذا المصطلح في مقابل الالهيات، والتي هي العلوم النقلية. وعلى الرغم من هذا التقسيم المنهجي فإن العلم كان واحدا في الحضارة الاسلامية، لا سيما مع الفتوحات لبلاد الأندلس، والبلاد التي عرفت ببلاد الساحل، والتي كانت تضم نفائس المكتبات العلمية في العالم.

    ومع أن العلم كما قلنا كان واحدا لجملة من الاعتبارات تتعلق بالروح التي تعاملت بها الحضارة العربية الإسلامية فإن العلوم العقلية ضلت حبيسة الرفوف. بمعنى أنها ظلت عبارة عن مخطوطات، حتى انه يقال أن عصر النهضة الأوربي أتى على الكثير منها لفائدتها العلمية. حيث نسب– أثناء عملية الانتقال الحضاري- الكثير من النفائس العلمية للمخترعين الأوربيين، لا سيما منهم الفرنسيين والاسبان والانجليز ولا ندري إذا تم إعادة الاعتبار لهذه العلوم من مؤرخي الفكر العلمي من المغاربة أم أن الحق هذا لم يشبه شائب باعتباره يعود للحضارة العلمية.

    ونقصد بالعلوم العقلية العلوم التي اعتمد فيها على العقل كأولوية فقط وليس كمبدأ. لأننا قلنا الشيء الذي عرفت به هذه الحضارة أن العلم فيها واحد موحد. سواء كان من العلوم النقلية أو من العلوم العقلية. ومعنى هذه الأخيرة كل من الحساب بفروعها علم الحساب والجبر والهندسة وعلم الفلك أو علم الهيئة والتنجيم وعلوم الطبيعة بفروعها علم الاحياء أو البيولوجيا وعلم الطب والصيدلة والكيمياء والجغرافيا... إلخ

     هذه العلوم هي التي عرفت بعلوم العقل، لكن كما قلنا الفصل هنا هو فصل منهجي فقط. وهناك الكثير من المخطوطات ما زالت إلى اليوم في الخزائن المعروفة سواء بشكلها الرسمي، كما هو الشأن بالنسبة للمخطوطات التي تزخر بها كل من خزائن تلمسان وقسنطينة والمدية وبجاية والجزائر، أو كما هو معروف في كل من القيروان وتونس وباجة وغيرهم. أو كتلك التي ما زالت إلى يومنا مكدسة في خزائن المغرب الأقصى: في كل من فاس ومكناس وفي مختلف الجامعات المغربية. او حتى في كل من تمبوكتو وبلاد النوبة. وحتى في برقة وبن غازي وغيرهم من البلاد المغاربية.

   

1-   تطور العلوم الانسانية ( الفكرية)- الترجمة

تعريف الترجمة لغة واصطلاحاً]1[

تعريف الترجمة اصطلاحيًّا: الترجمة أحد الأنشطة البشرية التي وُجدت منذ القدم، وتهدف إلى تفسير المعاني التي تتضمَّنها النصوص، وتحويلها من إحدى اللُّغات (لُغة المصدر) إلى نصوص بلُغة أخرى (اللُّغة المُستهدفة).

تعريف الترجمة لغويًّا: كلمة ترجمة على وزن "فعللة"، والمصدر هو ترجم "فعلل"، والجمع هو "تراجم"، واسم الفاعل منها هو "ترجمان"، ولتلك الكلمة أكثر من معنى في اللغة العربية، فهي تعني تبيان الاستيضاح والتبيان، وفي مواضع أخرى تعني التَّعرُّف على سيرة أحد الأشخاص، وكذلك تعني عملية تحويل للكلام إلى أفعال.

نشأة الترجمة وتاريخها

    تعود بدايات الترجمة لعصور تاريخية قديمة، اكتشفت أولى محاولات الترجمة لعدة كلمات ونقوش تعود لحقبة الحضارة المصرية القديمة وبلاد ما بين النهرين، كما أن هناك عدد من الرموز التي تعود لعام 2000 قبل الميلادـ يغلب الظن على أنها محاولة أولى للترجمة عبر التاريخ القديم.

    أما الخطوة الأولى التي تعد نقلة نوعية في عالم الترجمة، حين قام الخليفة المأمون بتنمية “بيت الحكمة” وهي المكتبة الرائدة التي كانت مصدراً للمعارف وتدوين العلوم ونشرها وترجمتها، ابتداءً بتوحيد قواعد الترجمة وأصولها في بيت الحكمة منذ عام 813م تقريباً.

    توالت عمليات تطوير الترجمة وقد مرّت بمحطات هامة، منها ما تم في عام 1500م عندما تم إنتاج أو عمل مطبوع متعدد اللغات في العالم، لتأتي بعد ذلك الثورة الصناعية التي ألقت بثقلها على مختلف مناحي الحياة، فتزايد الطلب على الترجمة، وتوثيق الإنجازات العلمية والاختراعات الصناعية وترجمة تلك الإنجازات للغات عدة.

    مما أسّس لتكوين صيغة رسمية للترجمة كتخصص أو دراسة مستقلة وتخصص علمي  وعملي، يتخرّج منه متقنه كمترجم محترف يتقن الترجمة وأدواتها المختلفة.

حركة الترجمة ودورها في الحضارة الإسلامية]2[

      عندما ظهر الإسلام وفتح المسلمون فارس والعراق والشام ومصر في القرن 7م، رؤوا ما في هذه البلاد من مدارس، مثل مدرسة الإسكندرية ( تأسست 331 ق.م) ومدرسة أنطاكيا شمال الشام (تأسست 300 ق.م) تحتضن حضارة اليونان وفكرهم، ولم يكونوا على جهل بهذه الثقافات جهلا تاما، لأن بعض المؤثرات الثقافية من المدارس السابقة تسربت إليهم. وبفضل ما أثاره الإسلام من حماسة للعلم وحثهم على التسامح إزاء الديانات الأخرى أدى ذلك إلى تزود المسلمين بقسط نافع من الثقافات التي التقوا بها ولم يكن السبيل إلى معرفتها إلا بترجمتها.

نشأة حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية

هناك رأيان مختلفان حول نشأة حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية[3]:

الرأي الأول: أنها ترجع إلى أوائل العصر الأموي

- ويقول هذا الرأي أن الجذور الأولى لحركة الترجمة إلى العربية في أوائل العصر الأموي، حيث ذكر في المصادر أن خالد بن يزيد بن معاوية- والملقب بحكيم آل مروان- أرسل إلى الإسكندرية في طلب بعض الكتب في الطب وعلم الصنعة [الكيمياء) لترجمتها إلى العربية، وذلك بعدما أقصى عن الخلافة طواعية.

يقول عنه ابن النديم: وقد ذكر في "الفهرست" أن خالد كان يسمى حكيم آل مروان وكان فاضلا في نفسه وله محبة في العلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان الذي نزلوا مصر وتفصحوا بالعربية وكان هذا أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة.

    ويقول عنه الجاحظ: قال عنه أنه كان أول من أعطى الترجمة والفلاسفة وقرب أهل الحكمة ورؤساء كل صنعة.

- ويقال أن خالد بن يزيد استقدم من الإسكندرية راهبا بيزنطيا اسمه مريانس، وطلب منه أن يعلمه علم الصنعة، ولم يكتفي بذلك وإنما طلب من آخر اسمه اصطفن ترجمة ما أتى به مريانس إلى العربية.

- وقد اتجه بعض الباحثين الأوروبيين المحدثين أن يشككوا فيما نسب إلى خالد بن يزيد من جهود في الترجمة إلى العربية مستهدفين غمس الإسلام وطمس دوره في ظهور أعظم حضارة عرفتها البشرية في العصور الوسطى، وفي ذلك شككوا أيضا في شخصية جابر بن حيان الكوفي (القرن2ﻫ) الذي يعتبر أبا لعلم الكيمياء، وأيضا شككوا في قسطنطين الأفريقي الذي ينسب إليه ترجمة مؤلفات العرب في الطب إلى اللاتينية مما مهد لظهور مدرسة سالرنو الطبية. وقد ذهب الكاتب لوتسيان كاسيموفتش إلى التشكيك في شخصية محمد في كتابه "لم يكن هناك محمد إطلاقا" .

- ومن الخلفاء الأمويين الذين استكملوا جهود الترجمة بعد خالد بن يزيد عمر بن عبد العزيز (99- 101 ﻫ) حيث اصطحب معه عند ذهابه إلى الخلافة في المدينة أحد علماء مدرسة الإسكندرية، بعد أن أسلم على يديه ابن أبجر واعتمد عليه في صناعة الطب. وقد قام الخليفة عمر بن عبد العزيز أيضا بنقل علماء مدرسة الإسكندرية إلى مدرسة أنطاكيا سنة 100هـ.

 

 

الرأي الثاني: الرأي الأصح في نشأة الترجمة

     أن حركة الترجمة ترجع إلى صدر الإسلام في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبتكليف منه، فنُقل عن الصحابة رضوان الله عليهم: "من عرف لغة قوم أمن شرهم" . ومن أشهر من تعلم السريانية في عهد الرسول هو زيد بن ثابت رضي الله عنه، وقد تعلمها في ستين يوما وتعلم كذلك الفارسية والرومية.

    وأقدم بردة في الإسلام تعود إلى سنة 22هـ، وعليها نص باسم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وبه ثلاثة اسطر باليونانية والترجمة بالعربية تحتها، وبالتالي الترجمة ظهرت في صدر الإسلام وليس منذ العصر الأموي.

المدارس التي ازدهرت بالعلوم والترجمة[4[

مدرسة الإسكندرية

     إلا أن انغماسها في الجدل الديني حول بعض القضايا المسيحية وبعدها نسبيا عن مركز الخلافة خاصة في العصر العباسي، جعل تأثير مدارس الشرق وخاصة جنديسابور يبدو أكثر قوة.

مدرسة جنديسابور

    اشتهرت هذه المدرسة بدراسة الطب وفيها ترجمت مؤلفات اليونان في الطب إلى السريانية وبعد ذلك نقلت إلى العربية، وينتسب إلى هذه المدرسة أطباء أسرة بختيشوع الذين اشتهر منهم من عالجوا الخلفاء العباسيين الأوائل.

مدرسة حران

    وكانت مركزا للأثينيين الصابئة، وهم من السريان الذين اختلطوا باليونانية الوثنيين الفارين من الاضطهاد المسيحي، وينسب إلى هذه المدرسة: ثابت بن قرة الصابئي وله مؤلفات عديدة في الطب وعمل في خدمة الخليفة المعتضد العباسي ( 279-289 ﻫ) وكان من ذريته سنان بن ثابت الذي حظي برضاء الخليفة القاهر. كما اشتهرت مدرسة حران بالفلك وينسب إليها في هذا المجال: عبد الله محمد البتاني- أبو جعفر الخازن.

تطور حركة الترجمة وازدهارها

أخذت حركة الترجمة إلى العربية تتسع وتزداد قوة في العصر العباسي بفضل:

1- تشجيع الخلفاء العباسيين ورعايتهم لهم، وقد فتحوا بغداد أمام العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأضفوا عليهم ضروب التشريف والتشجيع بصرف النظر عن مللهم وعقائدهم. في حين أن حركة الترجمة في العصر الأموي كانت محاولات فردية لا يلبث أن تذبل بزوال الأفراد.

2- غدت ركنا من أركان سياسة الدولة، فلم يعد جهد فردي سرعان ما يزول بزوال الأفراد سواء حكام أو غير ذلك بل أصبح أمرا من أمور الدولة وركنا من أركانها.

وفي حين أن الترجمة في العصر الأموي اقتصرت على الكيمياء والفلك والطب، نجد أنه في العصر العباسي صارت أوسع نطاقا بحيث شملت الفلسفة والمنطق والعلوم التجريبية والكتب الأدبية. من أمثلة اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلماء والمترجمين الخليفة:

 أبا جعفر المنصور(136- 158هـ)

    وقد عني بترجمة الكتب إلى العربية سواء من اليونانية أو الفارسية، وفي تلك المرحلة نقل حنين بن إسحاق بعض كتب أبقراط وجالينوس في الطب ونقل ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" من الفهلوية.

هارون الرشيد (170 - 193هـ)

عندما كثر أعداد العلماء في بغداد أنشأ لهم دار الحكمة؛ لتكون بمثابة أكاديمية علمية يجتمع في رحابها المعلمون والمتعلمون وحرص على تزويدها بالكتب التي نقلت من آسيا الصغرى والقسطنطينية.

المأمون ( 198-218هـ)

ازداد اهتماما ببيت الحكمة، فوسع من نشاطها وضاعف العطاء للمترجمين وقام بإرسال البعوث إلى القسطنطينية لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلفات يونانية في شتى ألوان المعرفة، فاخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، وابن البطريق فاخذوا مما اختاروا وقد ذكر ابن النديم انه كان بين المأمون وإمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن[5].

من أشهر المترجمين في العصر العباسي

- ثيوفيل بن توما الرهاوي.  

- جورجيس بن جبرائيل.

- يوحنا بن ماسويه.

- الحجاج بن يوسف الكوفي.

- ثابت بن قرة.

- حنين بن إسحق.

حنين بن إسحاق

ونخص بالذكر حنين بن إسحاق الذي ترجم كتبا عديدة في المنطق والفلسفة والطبيعة، لكن أغلب ما نقله كان في الطب وقد ترجم من اليونانية إلى السريانية والعربية فترجم لجالينوس 95 كتابا إلى السريانية نقل منهم إلى العربية 39 كتابا فقط.

 

 

2-   تطور العلوم العلمية (العقلية)- الطب-

تعريف الطب لغة واصطلاحاً[6]

تعريف الطب لغة: استناداً إلى قاموس المعجم الوسيط في اللغة العربية تستخدم لفظة (طِبّ) ومصدرها (طَبّ) للتعبير عن علاج الجسم والنفس، ومنه علم الطِبّ، والطِبّ الرفق وحسن الإحتيال، والطِبّ السحر، واستناداً إلى معجم المعاني الجامع فإن الطِبّ في اللغة هو علمٌ بقوانين يُعرف بها حالات الصحة والمرض وتأثير الأدوية، وعلم الطِبّ هو علم دراسة أسباب الأمراض البشرية ومعالجتها بما في ذلك طرق المداواة والشفاء المتعلقة بالأمراض التي يعالجها الطبيب أو الجرّاح.

تعريف الطب اصطلاحاً: اختلف الأطباء حول ثلاثة أقوالٍ في تعريف الطِبّ اصطلاحاً، وهي أقوالٌ وإن اختلفت في الألفاظ والعبارات إلا أنها متقاربةٌ في المعنى والمضمون، وهذه الأقوال هي:

1- علمٌ يُعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض لها من صحةٍ وفساد، ويُنسب هذا القول لقدماء الأطباء ولابن رشد الحفيد.

2- علمٌ بأحوال بدن الإنسان يُحفظ به حاصل الصحة ويستردّ زائلها، ويُنسب هذا القول لجالينوس وهو واحدٌ من قدماء الأطباء المبرزين.

3- علمٌ يُعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصحّ، ويزول عن الصحة ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردّها زائلة، ويُنسب هذا القول لابن سينا.

الطب في الجزيرة العربية على عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم-

    كان الطب في جزيرة العرب على عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم-، مثله مثل الطب في كل أركان الأرض في ذلك الزمان؛ كان طبًّا بدائيًّا يعتمد على الوصفات والممارسات المتوارثة والمتبادلة بين الشعوب، وعلى الخبرات الشخصية المتراكمة لدى عامة الناس وخاصتهم، وكان الطب– كغيره من العلوم– نوعًا من الفلسفة والحكمة والثقافة العامة والتراث الشعبي أكثر من كونه علمًا تجريبيًّا منضبطًا ومدروسًا.

    وكان الناس في ذلك الزمان يصنفون الأمراض على أساس الأعراض وليس على أساس طبيعة المرض نفسه. فهناك مرض “الصداع”، ومرض “القيء”، ومرض “استطلاق البطن” (الإسهال)، ومرض “الحكة”، ومرض “الحمى” وغيرها. وبالطبع فإن كل عرض من هذه الأعراض يندرج تحته الآن قائمة من عشرات، بل من مئات الأمراض التي تختلف في التشخيص والعلاج، كما كانوا يصنفون الأمراض بطريقة أخرى على حسب مكانها في جسم الإنسان؛ فالذي لديه علة في بطنه فهو “مبطون”، وإن كانت العلة في صدره أو قلبه فهو “مفؤود”، ومن كانت علته في جنبه فلديه “ذات الجنب”. وهكذا… هذا بالإضافة إلى بعض الأمراض المعدية مثل الجرب والطاعون والبرص والتي كانت توصف على أساس المشاهدة والخبرة الشخصية للمريض ذاته أو الطبيب. ولم تكن هناك وسائل تشخيصية، وإنما كان التشخيص يعتمد على شكوى المريض؛ فكان المريض عليه وصف الداء والطبيب عليه وصف الدواء.

     وكانت أسباب الأمراض البدنية تتوقف عند فكرة وجود الأخلاط والسموم بالجسم، كما أن أسباب الأمراض النفسية كانت تتوقف عند فكرة المس والسحر. فهذا الطب لم يكن يعرف شيئًا مثلاً عن الكائنات الدقيقة من بكتريا وفطريات وفيروسات وغيرها. ولم يكن يعرف شيئًا عن اختلال وظائف الأعضاء والتي تسبب أمراضًا شتى مثل الفشل الكلوي والكبدي والقلبي والتنفسي وغيرها. ولم يكن يعرف شيئًا عن الأمراض السرطانية وأمراض المناعة وأمراض التغذية… إلخ.

    وعلى هذا الأساس فإن الوسائل العلاجية لم يكن لها علاقة بالمسببات الحقيقية للأمراض، وإنما كانت ترتكز على فكرة إخراج السموم والأخلاط من الجسم في حالة الأمراض البدنية. فالحجامة -مثلاً- تخرج السموم والأخلاط من الدم، والسنا والعسل يخرجها من البطن. والحبة السوداء والعسل يخرجها من الصدر عن طريق البلغم.. وهكذا. لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم -وتأسيسًا على ما سبق واجتهادًا منه على قدر ما هو متاح من علم في ذلك الزمان- كان يرشح مثل هذه الوسائل العلاجية لعلاج كل الأمراض[7].

    أما السحر والمس، فكان علاجهما الرقية والأدوية المقيئة التي تخرج السحر من الجسم، هذا هو “طب الجزيرة العربية” الذي أرادوا أن ينسبوه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم يردوه إلى رب العزة والجلالة على أساس أنه طب منزل من عنده أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. وكأن ما عدا هذا الطب ليس من عنده وليس من نعمه -سبحانه وتعالى– على عباده، وهو القائل: (عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:5]، والقائل: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) [النحل:8]، والقائل: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت:53]. وما الاباء في صدر الاسلام هو:

الحارث بن كَلَدَةَ

     هو الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي مولى أبي بكرة، طبيب عربي مشهود له ببراعته في الطب، يعرف بـ «طبيب العرب» في وقته، عاش في العصر الجاهلي وأدرك الإسلام، وكان طبيبا ماهرا عارفا بالداء والدواء، حكيما فصيحا ناصحا، ترجم له أصحاب كتب الطب، وذكره ابن منده وغيره في أسماء الصحابة إلا أنه مختلف في صحبته. أصله من ثقيف من أهل الطائف من بلاد الحجاز، سافر إلى أرض فارس، وأخذ الطب عن أهل تلك الديار من أهل جند يسابور وغيرها في الجاهلية وقبل الإسلام، وذكر ابن جلجل: إن الحارث تعلم الطب بناحية اليمن وفارس، وجاد في هذه الصناعة وطب بأرض فارس، وعالج وحصل له بذلك مال هناك، وشهد أهل بلد فارس ممن رآه بعلمه، وكان قد عالج بعض أجلائهم فبرء وأعطاه مالا وجارية سماها الحارث: «سمية»، ثم إن نفسه اشتاقت لبني بلاده فرجع إلى الطائف واشتهر طبه بين العرب.[8].

الطب في عصر الخلفاء الراشدين[9]

    أولى الخلفاء الراشدين عناية كبيرة بالعلم والعلماء وأغدقوا الأموال من أجل ذلك ومنها علم الطب الذي كان امتدادا لما كان عند العرب قبل الإسلام فضلا عن ما وضعه النبي- صلى اله عليه وسلم- من قواعد علمية وصحية للوقاية من الأمراض.

    وقد تنبهوا إلى أهمية المراكز العلمية التي ساهمت في تطوير علم الطب منها مدرسة جند يسابور والإسكندرية فقد كان الخليفة أبو بكر الصديق(11 – 13ه) يستشير الطبيب الحارث ابن كلدة [10] في الأمور الطبية ولما أكلا من الطعام الذي قدمته لهما اليهودية وكان طعاما مسموما أشار إليه الحارث وقال: ((ارفع يدك يا خليفة رسول لله، ولله أن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يديه فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة)) وكان أبو بكر قد مرض قبل وفاته بخمسة عشر يوما.

    نبغ عدد من الأطباء في عصر الخلفاء الراشدين وكان لهم اثر كبير في معالجة الناس ومشاركتهم في حروب التحرير ولم يقتصر هذا العصر على الأطباء من الرجال وانما هناك العديد من النساء اللواتي مارسن المهنة إلى جانب الرجال ومن هؤلاء الاطباء:

·        أثير بن عمرو بن علة بن مذحج السكوني يعرف بابن عمر ريا[11]

·        رفيدة الأنصارية وقيل الأسلمية[12]

·        بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان أم أيمن وتعرف الضباء،[13] .

·        سوادة بنت مسرح الكندية[14]

·        أم سنان الأسلمية من النساء الجليلات المجاهدات[15]

الطب في العصر الأموي

    بعد أن ثبت الأمويون حكمهم واتسعت رقعة دولتهم أصبحت سلطات الخليفة تمتد من الصين شرقا حتى الأندلس غربا بدأت عنايتهم بالعلوم المختلفة ومن بينها العلوم العقلية والفنون منها الطب والصيدلة والفلك التي كانت تعني بها البلاد المفتوحة ولا سيما البلدان الناطقة باليونانية، ومن الخلفاء الذين عنوا بالجانب الثقافي الخليفة معاوية بن أبي سفيان الذي أنشأ بيت الحكمة.

    ويعد الخليفة مروان بن الحكم (64- 65ه) خليفة أموي اعتنى بالعلوم وقام ببناء بيمارستان في دمشق وعين فيها الأطباء وأجرى لهم الأرزاق وقام بتعيين عدد من الموظفين وظيفتهم تشبه وظيفة المحتسب يقوم بزيارة البيمارستان ويتفقد أحوال المرضى ومدى العناية بالمرضى ومراقبة نظافة الطعام ومدى اعتناء الأطباء بالمرضى ومعالجتهم وكذلك مراقبة الخدم وما يقدمونه لخدمة المرضى وهذا الموظف له الحق بمحاسبة ومعاقبة الأطباء والصيادلة والموظفين والمقصرين في واجباتهم وقد تصل العقوبة إلى حد الطرد فضلا عن ذلك أنشأ دورا للضيافة وأجرى طعام شهر رمضان في المساجد. وكان يرافق الخليفة مروان بن الحكم عدد من الأطباء أثناء قيادته للجيش وذلك لمداواة الجرحى، واستخدمت في العصر الأموي لأول مرة المحامل الطبية على الجمال لغرض نقل الجرحى والمصابين وانشأوا وحدة المشافي، وهي من الوحدات الأساسية في الجيش الأموي، وكانوا يقدمون الخدمة للمرضى والجرحى ويعالجون المرضى بالعقاقير الطبية والطرق النفسية أما عن طريقة المعالجة فهناك عدة طرق منها:

أ‌-  يجلس الطبيب في مكان خاص ومعروف للجميع بمثابة العيادة الخارجية حاليا ويستقبل المرضى ويقوم بمعالجتهم وإعطاء وصفة طبية للمريض ثم يذهب المريض الى صيدلية المستشفى لاستلام العلاج الذي وصفه الطبيب له.

ب‌-العلاج الداخلي المتمثل بمعالجة المريض داخل المستشفى وهذا العلاج مجاني ويوجد في المستشفى عدة أقسام يوزع المرضى على هذه الأقسام وحسب المرض، وهناك أطباء اختصاص لكل حالة مرضية.[16]

أطباء العصر الاموي

1- ابن آثال: طبيب نصراني المذهب وهو من الاطباء المتميزين في دمشق، اتخذه معاوية بن أبي سفيان طبيبا لنفسه وأحسن إليه وكان كثير الانقياد له والاعتقاد فيه، والمحادثة له ليلا ونهارا،ً له خبرة بالأدوية المفردة والمركبة وقواها وكان بارعا في صناعة السموم والقواتل.

2- أبو الحكم الدمشقي: كان طبيبا نصرانيا عالما بأنواع العلاج والأدوية قال عنه ابن فضل لله العمري: (( كان من حذّاق العلماء وسباّق أهل الطب القدماء وله في ... علمه حقائق وفي فهمه ما ينفذ صدر الأعمار)) كان يستطبه معاوية بن أبي سفيان ويعتمد عليه في تركيب الأدوية.

3- الحكم الدمشقي: هو الحكم بن أبي الحكم الدمشقي، عاش مع أبيه في دمشق، كان بارعا في مداواة الجرحى والوصفات الطبية[17].

4- عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الهمداني الكناني الكوفي  كان طبيبا،ً عالما ماهرا،ً سكن مدينة الاسكندرية ومارس مهنة التدريس فيها ، أسلم على يد عمر بن عبد العزيز قبل أن يصبح خليفة ولما تولى الخلافة سنة ( 99 ه / 717 م ) قربه إليه وأصبح طبيبه الخاص وبعثه إلى انطاكية وحران[18].

5- ماسرجويه: فارسي الأصل بصري الموطن، طبيب سرياني اللغة يهودي الديانة درس الطب في جنديسابور وكان يجيد اللغتين العربية والسريانية[19].

6- أحمد بن ابراهيم: عاش في القرن الثاني الهجري، طيب الخليقة يزيد بن عبد الملك له عدة مؤلفات منها: كتاب أصول الطب، ورسالة النبات المستعمل في الطب [20]

7-  برمك: من الاطباء الماهرين البارعين وهو الذي داوى مسلمة بن عبد الملك بن مروان من علة كانت به  [21].

الطب في العصر العباسي

    بعد ترسيخ العباسيين سيادتهم في منتصف القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد، استقر الاتصال الثقافي والاجتماعي بين العرب وغيرهم من الأجناس التي ألحقت بهم حديثا أو المتاخمة لهم، فنشطت على نطاق واسع ترجمة النصوص العلمية والفلسفية العائدة للثقافات القديمة، وذلك بعد أن نقل الخلفاء العباسيون البلاط من دمشق إلى بغداد.

    في العصر العباسي الأول والمبكر منه، شجع أبو جعفر المنصور وحفيده هارون الرشيد ثم المأمون،  انتقال الأطباء من أحد أهم المراكز الطبية القديمة في منطقة "جنديسابور" إلى بغداد، واشتهر من هؤلاء آل بختيشوع الجد والابن والأحفاد.

    أما الجد فهو جرجيس بن جبرائيل الجندي سابوري، أحد أهم أطباء مدينة جنديسابور التي تقع الآن في منطقة خوزستان الإيرانية القريبة من العراق، ففي سنة 148هـ أصيب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بمرض في معدته لم يتمكن معه من الطعام، ولم يستطع أطباء بغداد علاجه، فأشاروا عليه باستقدام جرجيس من جنديسابور، فأُحضر إليه.

    يقول ابن أبي أصيبعة: "لما وصل دعا إليه بالفارسية والعربية فتعجّب الخليفة من حُسن منظره ومنطقه، فأجلسه قدامه وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون، فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه وأشتاقه. وحدّثه بعلّته وكيف كان ابتداؤها، فقال له جرجيس أنا أدبرك كما تحب. ولما كان من غد دخل إليه ونظر إلى نبضه وإلى قارورة الماء ووافقه على تخفيف الغذاء، ودبّره تدبيرا لطيفا حتى رجع إلى مزاجه الأول، وفرح به الخليفة فرحا شديدا، وأمر أن يُجاب إلى كل ما يُسأل"[22].

    منذ تلك اللحظة، لمع نجم عائلة جرجيس وولده بختيشوع، وكان ولده بختيشوع أي "عبد المسيح" طبيبا خاصا لهارون الرشيد، ثم ولده جبرائيل، وكان أيضا طبيبا لهارون ولاثنين من أبنائه في بغداد، وكان اثنا عشر فردا من عائلة بختيشوع على امتداد ثمانية أجيال قد خدموا الخلفاء كأطباء ومستشارين، وهم نصارى نساطرة، اهتموا أيضا بترجمة النصوص وتأليف مقالاتهم الخاصة، ودامت هذه الحقبة حتى النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي.

    أما النظريات التي اعتمد عليها أطباء الحضارة العربية آنذاك من المسلمين والنصارى على السواء، فكانت نظرية "الأمزجة" أو "الأخلاط"، وذلك في العصر العباسي الأول حتى أواخر القرن الثالث الهجري، وهذه النظرية تعود للطبيب اليوناني الروماني جالينوس في القرن الثاني الميلادي، ارتكز النظام الجالينوسي على مبدأ الأخلاط الأربعة: الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وتتحدر هذه المعلومات من كتاب الطبيب اليوناني الأشهر "أبقراط"، وكانت تُقارن بالعناصر الأربعة: الهواء والماء والنار والتراب، وكانت الفصول الأربعة مهمة للأطباء، بحيث تؤخذ في عين الاعتبار عند التشخيص والعلاج[23].

    ولم يمنع هذا التصور الجالينوسي الأطباء العرب من مراقبة المرضى بانتباه كلي، ومن استعمال المنطق لتفسير ما كانوا يرونه، فتشخيص المرض كان الهم الرئيسي للطب الهلينستي والعربي، في حين أن الجمع بين الفلسفة والطب، والذي كان واضحا في كتابات جالينوس، استمر في الأدب الطبي في العصر الوسيط في الأقاليم الإسلامية.

    وهكذا تطور الطب العربي في بواكيره من التقليدية القديمة التي اعتمدت على موروثات الكهانة والسحر وتجارب العرب البسيطة والبدائية في الجاهلية، إلى اتخاذ الأساليب العلمية، والاهتمام بالاطلاع على تجارب الأمم الأخرى في هذا المضمار، وإن ظلت تسير ببطء في عصرها الأموي وبدايات العباسي. وفي تقريرنا القادم سنقف مع مصادر الطب اليوناني التي ترجمت إلى العربية، وأحد أهم أطباء الحضارة العربية الإسلامية في قرونها الأربعة الأولى، وهو أبو زكريا محمد بن أبي بكر الرازي، الطبيب الذي لا يزال ينظر إليه الغرب قبل الشرق بإعجاب وتقدير!

    بعد الفتوحات الإسلامية في الشرق، اهتم العرب بأعمال الأطباء الإغريق والرومان القدماء أمثال أبقراط وجالينوس وديسقوريدوس التي كان السريان قد نقلوها إلى لغتهم في مدرسة جنديسابور التي فروا إليها هربًا من اضطهاد الأباطرة البيزنطيين للمذهب النسطوري الذي اعتنقوه. ومع بداية العصر العباسي، تطور الأمر بعدما بدأ العرب في نقل العلوم الطبية من مصادرها اليونانية مباشرة، بعدما عرفوا ما في الترجمات السريانية من ضعف، على أيدي بعض الأطباء الذين حذقوا اليونانية كآل بختيشوع وحنين بن إسحاق. ومع الوقت، انتشرت ممارسة مهنة الطب حتى أنه بلغ عدد الأطباء في بغداد وحدها في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله أكثر من 860 طبيب، بل ظهرت المصنفات التي تصنف الأطباء بحسب الفترة الزمنية التي عاشوا فيها أو بحسب المناطق التي استوطنوها، ولعل أهمها كتابي "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جلجل و"عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة[24].

 

  

 

 

 

3-    تطور العلوم العلمية (العقلية)- الحساب-

تعريف العلماء والفلاسفة الحساب [25]

·   كان علم الحساب منذ القدم أحد العلوم التي انشغل بها العديد من العلماء لأهميتها الكبيرة، إلّا أنّ الحساب في الأزمان القديمة لم يكن متسّعاً كما هو عليه الآن، ولهذا تطور تعريفه مع تطور الزمن، فعلى سبيل المثال عرف أرسطو الحساب بأنّه علم الكم، وكما نعلم أنّ الكم هو جزءٌ من الحساب؛ فالحساب يبحث في العديد من الأمور الأخرى.

·   عرّف آخرون الحساب على أنّه علم القياس غير المباشر، وهو ما قاله الفيلسوف الفرنسي أوغست كنت في الحساب، لأنّه من خلاله يتمّ قياس العديد من الأمور المختلفة كالمسافة بين الكواكب وحجم الذرات وغيرها، وهي التي لا يمكن لنا قياسها بشكلٍ مباشر، إنّما يتم قياسها نسبةً إلى علاقتها مع الكميات. يمكننا تعريف الحساب بأنّه العلم الذي يدرس الكم والعدد وهي الأمور القابلة للقياس والقابلة للزيادة والنقصان، لذلك فهو علم يدرس القياس والحساب والهندسة والبنية والفراغ والأبعاد والتغير، وما زال بوسعنا القول إنّ تعريف الحساب سيظلّ مبهماً ومتغيراً مع تقدم الزمن لدخول المزيد من العلوم وانضمامها تحت مظلّة ما يسمى بالحساب.

نشأته

     مما لا شك فيه أن علم الحساب علم سابق على ظهور الإسلام، بل هو علم مُغْرِق في القِدَم؛ حيث إن لفافات البردي- التي كشفت كيف كان المصريون القدماء يجرون عمليات الحساب - ترجع إلى ما قبل الميلاد بحوالي ألفي عام، كذلك عرف البابليون والإغريق والهنود المتواليات الحسابية وغيرها مما يتعلق بعلم الحساب.

    وتدل المخطوطات على أن الموروث الحسابي الذي تناوله المسلمون ممن سبقهم قبل عهد الترجمة كان نظامين لا واحدًا:

أحدهما: سماه العرب حساب المنجمين، لأنه كان يقتصر استعماله على الفلكيين، كما سموه حساب الزيج، وحساب الدرج والدقائق.

أما الآخر: فقد كان اسمه علم الحساب بدون تمييز. ولكن حيث يلزم التمييز يسمونه حساب اليد، أو الحساب الهوائي، أو حساب العقود، أو حساب الروم والعرب.

وقد عرَّف العلماء علم الحساب بأنه: علم بقواعد تُعرَف بها طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية المخصوصة من الجمع والتفريق والتضعيف والضرب والقسمة. والمراد بالاستخراج معرفة كمياتها.[26]

اهتمام المسلمين بعلم الحساب:

    زادت حاجة المسلمين إلى علم جديد من علوم الحساب يساعدهم في معاملات البيع والشراء بين الشعوب مع اختلاف العملات والموازين ونظام العقود. المأمون يكلف الخوارزمي عالم الحساب، بالتفرغ لوضع وسيلة جديدة لحل المعادلات الصعبة التي تواجه المشتغلين بالحساب. فوضع كتابه "الجبر والمقابلة" وبين أغراضه قائلا عند تقديمه: (يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجارتهم وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكرى الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه). وتناول الكتاب الحسابات وطرقها ابتداء من حساب محيط في الكرة الأرضية وقطرها وخطوط الطول والعرض في البلدان إلى مساحات البلدان والمدن والمسافات بينها. ثم مساحات الشوارع والأنهار إلى مساحات الضياع والبيوت.. وحساب الوصايا والمواريث وتقسيم التركات المعقدة. والحسابات الفلكية، وحساب المعمار. وكلها كانت تواجه مشاكل وصعوبة في حسابها بطرق الأولين.

    وكان علماء الحساب المسلمون قد بحثوا في مختلف جوانب علوم الحساب والهندسة والأعداد جمعا وتفريقا وتضعيفا وضربا وقسمة وتوصلوا لكيفية إخراج الجذور في الأعداد الصحيحة وغير الصحيحة. وبينوا الكسور وصورها وطرق جمعها وتفريقها وضربها وقسمتها واستخراج جذور الكسور التربيعية والتكعيبية والضرب والقسمة باستخدام الهندسة وحلوا مسائل العدد ولبنوا خصائصه وتطبيقاته في المعاملات والصرف وتحويل الدراهم والدنانير والأجرة والربح والخسارة والزكاة والجزية والخراج وحساب الأرزاق والبريد والأعداد المضمرة وغيرها من علوم الحساب[27].

كيف طبق المسلمين الإحصاء في زمن عمر بن الخطاب

     لقد طبق المسلمون في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإحصاء عن طريق تأسيس الدواوين حيث يتم فيها تدوين المعلومات عن الجند ودخول بيت المال وغيرها من البيانات اللازمة للتموين وتجهيز الجيوش. . . وهذه الطريقة لا تزال تستخدم في كثير من الأمور الإحصائية الحديثة وهي بداية الإحصاء. كذلك استخدم الخليفة أبو جعفر المنصور وسائل متطورة وعديدة لتسليح وتموين الجند إضافة إلى تبويب مدخولات بيت المال والمصروفات والأبواب الأخرى المتعلقة بإدارة الدولة. ولعل القاعدة القرآنية العظيمة في قوله تعالى: {وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. وفي قول رسول- الله صلى الله عليه وسلم-: (خير الأمور الوسط). وكما أن معاني الوسطية في اللغة الاعتدال والاتزان والتوازن والعدل ووسطية المكان، ومن هنا يتبين لنا المفهوم الإحصائي الأساسي الذي أسّسه القرآن ألا وهو الوسط الحسابي والمعدل[28].

 

 

تطور الحساب

    لقد تطورت العلوم الحسابية تطورا سريعا على أيدي علماء الإسلام الذين سجلوا ابتكارات حسابية مهمة في حقول الحساب والجبر والمثلثات والهندسة، وقد أثارت أعمالهم إعجاب ودهشة علماء الغرب، وقد أشاد الكثيرون منهم بفضل علماء المسلمين والعرب ومآثرهم الحسابية، فقد ذكر سيدو: (إن للعرب عناية خاصة بالعلوم الحسابية كلها فكان لهم القدح المعلى وأصبحوا أساتذة لنا في هذا المضمار بالحقيقة) . أما روم لاندو فقال: (على أيدي العرب دون غيرهم عرف الحساب ذلك التحول الذي مكنها آخر الأمر أن تصبح الأساس الذي قام عليه العالم الغربي الحديث  فلولا الحساب كما طورها العرب كان خليقا بمكتشفات كوبرينكوس وكلبرت وديكارت ولاينبز أن يتأخر ظهورها كثيرا) . أما هوبر فذكر أن التقدم الوحيد في الحساب الذي ابتدأ في عصر بطليموس وحتى عصر النهضة كان من جهة العرب فقط . أما في أوروبا فكانت جميع فروع الحساب من الجمود الذي شلّ الفكر بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية [29].

العلماء المسلمين

    وكان للعلماء المسلمين اليد الطولى والفضل الأكبر في تطور العلوم الرئيسية وعلى رأسها بكل علومها المعقدة ومنها الجبر والهندسة والحساب والمقابلة وأقسام العدد والعددان المتحابان وخواص الأعداد والكسور والضرب والقسمة والمساحة للأشكال الهندسية وقوانين الأشكال الهندسية والجذور والإحصاء وغيرها من العلوم الرياضية المعقدة، وكان علماء المسلمين من أهل الحساب أعلاما، فحسبك الخوارزمي محمد بن موسى المتوفى بعد سنة 232 هـ . والذي يعود له الفضل الأساس في علوم الحاسبات الحديثة وباعتراف الغرب بأجمعه، وكلمة (Algorithm) تعني الخوارزمي، كما أنه يعتبر مؤسس علم الجبر الحديث وكلمة (Algebra) مشتقة من كتابه (الجبر والمقابلة). وهو باعتراف الغربيين أساس لكل العلوم الحاضرة فلا يكاد يخلو علم من العلوم المعقدة الحديثة إلا وفيه جبر الخوارزمي، إضافة إلى إبداعاته في نظام الأرقام والأعداد وعلم الحساب والمتواليات العددية والهندسية والتآلفية والمعادلات الجبرية والجذور واللوغارتمات والفلك والمثلثات والأرقام الهندية والطريقة البيانية لإيجاد الجذور =، وله أكثر من 27 مؤلفا في مختلف العلوم أشهرها (الجبر والمقابلة) الذي نقله إلى اللاتينية روبرت أوفشستر (عن كتاب بغداد مدينة السلام) .

     ولنأخذ مثالا واحدا من هؤلاء الأماجد وهو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم التميمي الشافعي البغدادي صاحب المعارف الواسعة في أمور الدين والفقه واللغة والحساب والهندسة وله مؤلفات عديدة أهمها (الملل والنحل)، (نفي خلق القرآن)، (بلوغ المدى من أصول الصدى)، (تأويل متشابه الأخبار)، (أصول الدين في علم الكلام)، (الإيمان وأصوله)، (التحصيل في أصول الفقه)، (العماد في مواريث العباد)، (تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر)، (معيار النظر)، (التكملة في الحساب)، و(رسالة المساحة). لقد شكلت مباحث هذا العلامة تراثا علميا خالدا حمل معه طابع الأصالة والابتكار. فقد بحث في مختلف جوانب علم الحساب والهندسة والأعداد جمعا وتفريقا وتضعيفا وضربا وقسمة وكيفية إخراج الجذور في الأعداد الصحيحة وغير الصحيحة والكسور بين صورها وطرق جمعها وتفريقها وضربها وقسمتها واستخراج جذور الكسور التربيعية والتكعيبية والضرب والقسمة باستخدام الهندسة والأعداد المتناسبة والجذور ومسائل العدد وخصائصه وتطبيقاته في المعاملات والصرف وتحويل الدراهم والدنانير والأجرة والربح والخسارة والزكاة والجزية والخراج وحساب الأرزاق والبريد والثلاثي والأعداد المضمرة وغيرها من علوم الحساب.

وأما في الهندسة فقد أوضح مساحات الأشكال للمثلث والمربع والدائرة والمجسمات، وفي المسائل العلمية في حفر الآبار وبالأشكال الهندسية الدقيقة التي أثبتت مقدرة رياضية فائقة . وكمثل على جهلنا بهذا التراث العظيم نذكر أننا في مناهجنا الحالية ما زلنا نستعمل الكثير من مسائله عدا تغيير بسيط بالألفاظ والتسميات وذلك لمواكبة التطورات العلمية المعاصرة، ولكن للأسف الشديد بدون الإشارة إلى فضل عالمنا عبد القاهر البغدادي وغيره من علمائنا العظام الذين كان لهم قصب السبق في اكتشاف وابتكار أفضل طرق حل المسائل الحسابية وأسلوب عرضها، ولنأخذ مثالا واحدا من الأمثلة التي ذكرها البغدادي ونقارنه بأحد الأمثلة الحديثة، لنرى كيفية عرض هذا العالم الجليل لمسائله الحسابية: فقد ذكر عبد القاهر البغدادي عند عرضه لمسائل البريد المثال الآتي : (عاملي بريد إن خرج أحدهما من بغداد إلى الكوفة يسير كل يوم ثلث الطريق وخرج الآخر في تلك الساعة من الكوفة إلى بغداد، يسير كل يوم ربع الطريق، ففي كم من الزمان يلتقيان؟)، وهذا المثال يثار بالسؤال الآتي الذي نعلمه لطلبتنا في الوقت الحاضر وهو: (قطاران أحدهما من بغداد إلى الموصل يقطع كل يوم ثلث المسافة، وسار الآخر في تلك الساعة من الموصل إلى بغداد ويسير كل يوم ربع المسافة، ففي كم من الزمان يلتقيان؟). وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المرأة المسلمة شاركت أيضا في الإنجازات العلمية الرياضية ، ومن هؤلاء النسوة عالمة الحساب العربية أمة الواحد ستيتة المحاملي البغدادية المتوفاة سنة 377 هـ. [30]

الأرقام والاعداد [31]

    ومعلوم أن العرب هم الذين ابتكروا الرقم (صفر) وهذا بحد ذاته فتح الآفاق الواسعة أمام علم الأرقام والعدد والحساب ، كما وأن الأرقام العربية المستخدمة الآن هي بالأصل أرقام هندية ، بينما الأرقام الإنجليزية المستخدمة دوليا هي أصلا الأرقام العربية التي اكتشفها المسلمون بناء على طريقة الزوايا، إذ يمثل كل رقم رسما توضيحيا يعتمد على زوايا تقابل ذلك الرقم ، فالعدد (1) يمثل زاوية واحدة ، والعدد (2) يمثل زاويتين ورسمه الأصلي يشبه الحرف Z إلا أنه حرّف إلى شكله الحالي، والعدد (3) كذلك وهلمّ جرّا [32].

4-    تطور العلوم العلمية (العقلية]- الهندسة-

تعريف الهندسة لغة واصطلاحاً[33]

تعريف الهندسة لغتاً: تعرّف الهندسة باللغة العربية من (هندز]، (والهنداز] بوزن المفتاح معرّب وأصله بالفارسية (إنداز]، يقال أعطاه بلا حساب ولا هنداز، ومنه (المهندز] وهو الذي يقدر مجاري القنيّ والأبنية إلا أنهم صيروا الزاي سيناً فقالوا مهندس لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال.

تعريف الهندسة اصطلاحاً: فقد تطورت الكلمة بعد الثورة الصناعية الأولى قبل ثلاثة قرون تقريباً وذاع صيتها، ثم أصبحت الكلمة شائعة في جميع أنحاء العالم وتعني اصطلاحاً تحوير العلوم الفيزياوية الصرفة بأسلوب تدبيري مرتب ومنظم لتحويلها إلى تقنيات تفيد الإنسان في حياته.

الهندسة في صدر الإسلام

    عند بداية ظهور الإسلام خصص النبي محمد (صًلى الله عليه وسلم] مبنا خاصا للتعبد وهو المسجد، وانتشرت المساجد في عهد النبي حتى شملت كل أجزاء الجزيرة العربية، وازداد انتشارها بفضل الفتوحات الإسلامية، وكانت العمارة مستمدة من فنون العمارة في العصر الجاهلي، ومن الوحدات المعماريَّة التي أسَّسها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، وهو ما سيُؤسِّس فيما بعد مكوِّنات المدن الإسلاميَّة الأولى .. وهذه الوحدات: هي المسجد الجامع، وتمثَّل في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى جواره منازله التي مثَّلها فيما بعد دار الإمارة، والسُّوق الذي اختير موقعه بناءً على توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، والخطط التي أُقطِعت للقبائل، وتحصين المدينة بالخندق، الذي مثَّلته فيما بعد الأسوار والأبراج[34].

المسلمون وعلم الهندسة

    كما أنه لا ضير في أن نقر بأن المسلمين اعتمدوا على من سبقهم في قيام نهضتهم وحضارتهم في علم الهندسة، فإنا لا نستطيع أن نقر وجهة النظر التي تقول: "إن اليونان لم يتركوا في الهندسة القديمة زيادة لمستزيد، ولم يستطع أحد بعد إقليدس الذي دون علم الهندسة (330 - 320 ق.م] أن يزيد على هذا العلم شيئًا أساسيًا، أعظم أفضال العرب على الهندسة أنهم اهتموا بها حينما أهملتها الشعوب ثم حفظوها من الضياع، وناولوها للأوربيين في زمن باكر، فلقد أخذ الأوروبيون الهندسة اليونانية عن العرب لا عن اليونان، ونقلوها إلى اللغة اليونانية" [35].

    فهذا الرأي لا يستقيم لا منطقيًا ولا علميًا، يشهد بذلك علماء الغرب أنفسهم على نحو ما سنورده في هذا البحث وفي هذا الموضوع بالذات، ولا أدري كيف نعت صاحب هذا الرأي الهندسة بـ(القديمة]؟! ألأجل أن يكون ذلك علم خاص فقط باليونان، ومن ثم فلا يستطيع أحد أن يجاريه أو يزيد عليه؛ مما يتسنى له بعد ذلك أن يطلق هذا الحكم؟ وإذا كان الأمر كذلك فهذه تعد مثلبة وليست منقبة لليونان أصحاب الهندسة (القديمة]، ومفخرة لأصحاب الهندسة الحديثة.

    فمن المسلم به تاريخيًا وعلميًا أن المسلمين أضافوا إضافات جوهرية كثيرة، وأدخلوا أمورًا جديدة على هندسة من سبقهم، وكان من ذلك: تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية وكذلك الدائرة، وقد ألف الكندي الرسائل المختلفة في تقسيم المثلث والمربع واستخرج سمت القبلة، وكان يرجع إلى مؤلفاته المعماريون عند القيام بحفر الأقنية والجداول بين دجلة والفرات، وأدخل المسلمون أيضا المماس والقواطع، واستخدموا فن الزخرفة الذي يعتمد على قواعد هندسية في رسم المغلقات، وترتيب الخطوط، وأوراق النبات، وجمع المسلمون بين الهندسة والجبر، ولذلك يُعتبرون واضعي الهندسة التحليلية.

     وإحقاقا للحق فقد ظل المسلمون يبدعون ويضيفون الكثير والكثير مستلهمين ذلك من أمور دينهم ودنياهم، حتى ظهر علم الهندسة وتبلور على أيديهم، وبدت معالمه الكلية واضحة جلية، وازدهرت تقنيات الهندسة الميكانيكية في العالم الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي]، واستمر عطاء المسلمين فيها حتى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي].

    وكانت هذه التقنيات تعرف عند المسلمين باسم "الحيل النافعة"، وهي آلات وتجهيزات يعتمد البحث فيها على حركة الهواء (الإيروديناميكا]، أو حركة السوائل واتزانها (الهيدروديناميكا و(الهيدروستاتيكا].

    ويمثل علم "الحيل النافعة" الجانب التقني المتقدم في علوم الحضارة الإسلامية، حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها في كل ما يخدم الدين، ويحقق مظاهر المدنية والإعمار، وقد جعلوا الغاية من هذا العلم هي: "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير"، ويقصد به استعمال الحيلة مكان القوة، والعقل مكان العضلات، والآلة بدل البدن[36].

    ولعل من أهم إنجازات الهندسة الميكانيكية (أو علم الحيل النافعة] ما ظهر واضحًا في الإمكانيات التي استخدمها المسلمون في رفع الأحجار ومواد البناء لإتمام الأبنية العالية من مساجد ومآذن وقناطر وسدود.. فيكفيك أن ترى الارتفاعات الشاهقة لمعالم العمارة الإسلامية في عصور غابت عنها الروافع الآلية المعروفة في زماننا.. لتعلم براعة المهندسين المسلمين في التوصل لآلات رفع ساعدت - ولا شك - على إنجاز تلك الأعمال الخالدة.. وإلا فكيف يمكن أن ترفع مئذنة فوق سطح مسجد سبعين مترا.. أي ما يزيد على عشرين طابقا..؟!

    ولا ننسى في هذا السياق "سور مجرى العيون" في القاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي، والذي كان ينقل الماء من فم الخليج على النيل إلى القلعة فوق جبل المقطم، وكانت هناك ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة حتى تصل إلى القلعة!

    ومن هنا تتجلى عظمة المسلمين في هذا الفن، ولا يستطيع أن ينكر دورهم في ذلك إلا جاحد، يقول محمد كرد علي: وللعرب (المسلمين] في باب الهندسة الإبداع الذي أقرهم عليه كل عارف، ولم ينازعهم فيه منازع، ولم يخترع العرب أبنية خاصة بهم، بل تجلي في هندستهم حبهم للزخرف واللطف، واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين، وجعل تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار لجوامعهم وقصورهم بهجة لا يبلى على الدهر جديدها، ودلت كل الدلالة على إيغالهم في حب النقوش والزينة، كأن أبنيتهم ومصانعهم ثياب من ثياب الشرق تفنن حائكها في رقشها ونقشها، كما قال أحد العارفين من الإفرنج .

علماء الهندسة المسلمون والهندسة الميكانيكية[37]

    ويمكن التعرف على مراحل تطور علم الهندسة على يد المسلمين من خلال تلك الأعمال القيمة التي خلَّفها أبرز رواد التقنية الإسلامية في مجالات الهندسة الميكانيكية أو علم الحيل على النحو التالي:

1- بنو موسى بن شاكر:

    وهم الإخوة الثلاثة (محمد وأحمد والحسن]، أبناء موسى بن شاكر، وقد عاشوا في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي]، ولمعوا في علوم الحساب والفلك والعلوم التطبيقية والتقنية، واشتهروا بكتابهم القيم المعروف باسم "حيل بن موسى".

2- ثابت بن قرة:

    ولد ثابت بن قرة سنة 221 هـ / 834 م في حَرَّان من أرض الجزيرة شمال العراق، بتركيا الآن، برع ثابت في علم الهندسة حتى قيل عنه: إنه أعظم هندسي عربي على الإطلاق، وقال عنه "يورانت ول": إنه أعظم علماء الهندسة المسلمين؛ فقد أسهم بنصيب وافر في تقدم الهندسة، وهو الذي مهد لإيجاد علم التكامل والتفاضل، كما استطاع أن يحل المعادلات الجبرية بالطرق الهندسية، وتمكن من تطوير وتجديد نظرية فيثاغورث، وكانت له بحوث عظيمة وابتكارات رائدة في مجال الهندسة التحليلية؛ فقد ألف كتابا في الجبر، شرح فيه العلاقة بين الجبر والهندسة، وكيفية التوفيق بينهما، واستطاع أن يعطي حلولا هندسية لبعض المعادلات التكعيبية، وهو ما أفاد علماء الغرب فيما بعد في تطبيقاتهم وأبحاثهم الرياضية في القرن السادس عشر.

ومن مؤلفات ثابت الرياضية والهندسية:

- كتاب في الشكل الملقب بالقطاع.

- كتاب في مساحة الأشكال المسطحة والمجسمة.

- كتاب في قطوع الأسطوانة وبسيطها.

- مساحة المجسمات المكافية.

- قول في تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية.

3- أحمد بن خلف المرادي:

ظهر اسمه حديثا عندما اكتُشِف في مكتبة لورنيين بفرنسا (عام 1975م] مخطوطٌ في الحيل النافعة يحمل اسمه بعنوان "الأسرار في نتائج الأفكار" يعود إلى العصر العربي الإسباني، ويحوي أجزاء مهمة حول الطواحين والمكابس المائية، ويشرح أكثر من ثلاثين نوعا من الآلات الميكانيكية، وساعة شمسية متطورة جدا.

4- عبد الرحمن بن أحمد بن يونس:

وهو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، توفي في سنة 1009م، وهو الذي اخترع الرقاص (البندول( وعرف أشياء كثيرة من قوانين تذبذبه، وبعد ستمائة وخمسين عامًا من دراسات ابن يونس، جاء غاليليو الإيطالي (ت 1624م) ليتوسع في درس الرقاص .

5- بديع الزمان الجزري:

تضمنت ابتكارات المسلمين الأوائل في مجال تقنية الحيل النافعة تصميمات متنوعة لساعات وروافع آلية، يتم فيها نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية بواسطة نظام يعتمد على التروس المسننة، وهو الأساس الذي تقوم عليه جميع المحركات العصرية، ومن المؤلفات الذاتية الرائدة في هذا المجال كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" لبديع الزمان أبي العز بن إسماعيل الرازاز الجزري، الذي عاش في القرنين السادس والسابع الهجريين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي .

6- تقي الدين الدمشقي:

إلى جانب كل ما سبق كان هناك فخر التقنية الإسلامية تقي الدين بن معروف الراصد الدمشقي، والذي عاش في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، وصاحب كتاب "الطرق السنية في الآلات الروحانية"، وفيه وصف العديد من الأجهزة الميكانيكية مثل: الساعات المائية والآلية والرملية، والروافع بالبكرات والتروس (المسننات)، والنافورات المائية، وآلات الدوران باستعمال العنفات (المراوح) البخارية التي نعرفها اليوم.

 

الهوامش

1- إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد، المعجم الوسيط، الناشر: مجمع اللغة العربية - مكتبة الشروق الدولية، سنة النشر: 2004م، ص126.

2-  امين، احمد، ظهر الإسلام، مجلد 2، القاهرة،1945، ص11.

3- الجميلي، رشيد، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد،1986/1406، ص231.

4-  المدني، امين، التاريخ العربي ومصادره، القاهرة،1971، مجلد2، ص333.

5-  فروخ، عمر، تاريخ العلوم عند العرب، بيروت،1970، ص113.

6-  إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد، المعجم الوسيط، ص145.

7- ابن عبد البر، ابو عمر يوسف بن عبد لله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي (ت: 436ه) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تح: عادل مرشد، دار الأعلام، عمان، 2002م، ج1/ ص1838.

8- تقي الدين الفاسي، محمد بن أحمد الحسني المكي (ت: 832ه) العقد الثمين، تح: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م، ج 6 ، ص 372.

9- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت: 748ه) تجريد أسماء الصحابة، تح: صالحة عبد الكريم مشرف، الهند، 1969م، ج 2، ص279.

10- هو الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن عبد القري بن غيره بن قصي الثقفي من بني ثقيف ولد بالطائف ورحل إلى بلاد فارس ودرس الطب في مدرسة جند يسابور واليمن مارس مهنة الطب وحصل منها على الأموال الوفيرة وعالج بعض عظماء الفرس فكافأه كسرى بمال جزيل عاصر النبي محمد وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، لقب طبيب العرب لبراعته. الدينوري، أحمد بن داود (ت: 282ه) الأخبار الطوال، تح: عصام محمد الحاج، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001 م، ص23.

11- ابن سينا، ابو الحسن بن علي (ت: 428ه) القانون في الطب، تح: سعيد الحسام، دار الحيالي، تاريخ علم الطب، الفكر للطباعة، بيروت، 2005م، ج 3، ص 50.

12-  الصلابي، علي محمد، الدولة الأموية، دار ابن كثير للطباعة، دمشق، بيروت، 2006م، ج 1، ص 297.

13- الطبري، محمد بن جرير (ت:310ه) تاريخ الرسل والملوك، دار الكتب العلمية، ط 2، بيروت، 2003م،  ج 3، ص 224.

14-  ابن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي (ت: 668ه)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تصحيح: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م عيون الانباء في طبقات الأطباء، ص2.

15-  ابن سينا، القانون في الطب في طبقات الأطباء، ص 254.

16-  ابن ابي أصيبعة، عيون الانباء في طبقات الأطباء، ص 158.

17-  الحيالي، تاريخ علم الطب، ص 155.

18-  الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 2، ص671.

19- ابن حجر، تقي الدين الفاسي، تقريب التهذيب، ط4، دار الكتب الحديثة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج2، 1990، ص 156.

20- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت: 808ه) مقدمة ابن خلدون، اعتناء، هيثم جمعة هلال، مؤسسة المعارف للطباعة، بيروت، 2007م، ص443.

21-  ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص343.

22-  عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص30.

23-  الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 3، ص 454.

24-  ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ص568.

25-  ابن عبد البر، الاستيعاب، ق 4، ص1232.

26-  إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد، المعجم الوسيط، ص343.

27- تقي الدين الفاسي، محمد بن أحمد الحسني المكي (ت:832ه) العقد الثمين، تح: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م، ج6، ص 333.

28-  تقي الدين الفاسي، العقد الثمين، ص 356.

29-  ابن أبي اصيبعة، عيون الانباء في طبقات الاطباء، ص21.

30-  كاشف، سيدة إسماعيل، الوليد بن عبد الملك، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، القاهرة،1962م، ص227.

31- ابن الاثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم بن عبد الواحد الشيباني، الكامل في التاريخ، المكتبة العصرية، بيروت، 2008 م، ج 2، ص329.

32-  مجلة التراث العلمي العربي فصلية، علمية، محكمة العدد الأول، 2015 م.

33-  الجميلي، رشيد عبد لله، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، المكتبة الوطنية، بغداد، 1976م، ص358.

34-  إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد، المعجم الوسيط، ص162.

35-  امين، احمد، ظهر الإسلام، ص11.

36-  الجميلي، رشيد عبد لله، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، المكتبة الوطنية، بغداد، 1976م، ص333.

37- عبد الرحمن، حكمت نجيب،  دراسات في تاريخ العلوم عند العرب، الموصل- العراق، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مؤسسة دار الكتب، 1997م، ص 41.

38- أبي حاتم، الرازي، ابو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم محمد بن ادريس التميمي الحنظلي (ت: 327) الجرح والتعديل، تح، مصطفى عبد القادر عطا دار الكتب. العلمية، بيروت، د.ت، ج 3 ، ص 153.

39-  سالم، عبد العزيز، تاريخ الدولة العربية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت،1971م، ص702.

 

المصادر

أولاً: الكتب العربية

1- ابن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي (ت: 668ه)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تصحيح، محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م.

2- ابن الاثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم بن عبد الواحد الشيباني، الكامل في التاريخ، المكتبة العصرية، بيروت، 2008 م، ج 2.

3- ابن العبري، غريغوريوس (واسمه في الولادة يوحنا) ابن أهرون (أو هارون) بن توما الملطي، أبو الفرج المعروف بابن العبري (ت: 685هـ)، تاريخ المختصر، تحقيق: أنطون صالحاني اليسوعي الناشر: دار الشرق، بيروت، ط3، 1992م، ص123.

4-  ابن حجر، تقي الدين الفاسي، تقريب التهذيب، ط4،  دار الكتب الحديثة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1990 .

5-  جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، السيوطي, ‏محمود محمد محمود حسن نصار - 1990

6- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت: 808 ه) مقدمة ابن خلدون، اعتناء، هيثم جمعة هلال، مؤسسة المعارف للطباعة، بيروت، 2007م.

7- ابن سينا، ابو الحسن بن علي (ت:428ه) القانون في الطب، تح سعيد الحسام، دار الحيالي، تاريخ علم الطب، الفكر للطباعة، بيروت، 2005م، ج 3.

8- ابن عبد البر، ابو عمر يوسف بن عبد لله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي (ت: 436) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تح، عادل مرشد، دار الأعلام، عمان، 2002م، ج1.

9- أبي حاتم، الرازي، ابو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم محمد بن ادريس التميمي الحنظلي (ت 327 ه) الجرح والتعديل، تح، مصطفى عبد القادر عطا دار الكتب. العلمية، بيروت، د.ت، ج 3 .

10- البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت: 256ه) صحيح البخاري، تح، طه عبد الرؤوف سعيد، مكتبة الايمان، القاهرة، 2003 م، ج 7.

11-  تقي الدين الفاسي، محمد بن أحمد الحسني المكي (ت: 832ه) العقد الثمين، تح: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م، ج 6.

12-      الجميلي، رشيد عبد لله، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، المكتبة الوطنية، بغداد، 1976م.

13-  الدينوري، أحمد بن داود (ت: 282ه) الأخبار الطوال، تح: عصام محمد الحاج، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001 م.

14-      الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت: 748 ه) تجريد أسماء الصحابة، تح: صالحة عبد الكريم مشرف، الهند، 1969م، ج 2.

15-      سالم، عبد العزيز، تاريخ الدولة العربية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت،1971م.

16-      الصلابي، علي محمد، الدولة الأموية، دار ابن كثير للطباعة، دمشق، بيروت، 2006م، ج 1.

17-      الطبري، محمد بن جرير (ت:310ه) تاريخ الرسل والملوك، دار الكتب العلمية، ط 2، بيروت، 2003م،  ج 3 .

18-  عبد الرحمن، حكمت نجيب،  دراسات في تاريخ العلوم عند العرب، الموصل- العراق، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مؤسسة دار الكتب، 1997م.

19-      كاشف، سيدة إسماعيل، الوليد بن عبد الملك، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، القاهرة،1962م.

ثانياً: الرسائل والأطاريح

1- الحيالي، سعد عبد الحليم ذو النون، تاريخ علم الطب في العصر العباسي الأول، (رسالة ماجستير غير منشورة) مقدمة إلى مجلس عمادة المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 2005م.

ثالثاً: الدوريات

1-  مجلة التراث العلمي العربي فصلية، علمية، محكمة العدد الأول – 2015 م.

 

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *