-->

احد| غزوة احد

احد


غزوة أحد

    السبب في ذلك أنه لما قتل الله تعالى من قتل من كفار قريش يوم بدر، ورجع

فلّهم إلى مكّة، ورجع أبو سفيان بعيرهم فأوقفها بدار النّدوة، فلم يحرّكها ولا فرّقها،

فطابت أنفس أشرافهم أن يجهّزوا منها جيشا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فأنزل الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ .

وأخذ أبو سفيان بن حرب يؤلّب العرب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ويجمع الجموع، فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وكتب

العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه بذلك،

      فخرج أشراف قريش وكبراؤهم ومعهم نسائهم، ومعهنّ الدّفوف يبكين قتلى بدر،

ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيّا يقال له وحشيّ، فقال له: اخرج مع الناس فإن

أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعميّ طعيمة فأنت حرّ. وكانت هند بنت عتبة زوجة ابو

سفيان بن حرب كلما مرّت بوحشيّ أو مرّ بها تقول: ويها أبا دسمة، اشف واستشف،

كان وحشيّ يكنى أبا دسمة، وكان أبو عامر الفاسق عبد عمرو بن صيفيّ قد خرج في

خمسين رجلاً من المنافقين إلى مكة، وحرّض قريشا على حرب رسول الله صلى الله

عليه وسلم، وسار معها وهو يعدها أن قومه يؤازرونهم، وهمّت قريش وهي بالأبواء

بنبش قبر آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفّهم الله تعالى عن ذلك.

شاع خبر قريش ومسيرهم في الناس، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنسا

ومؤنسا ابني فضالة عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى رسول الله صلى الله

عليه وسلم فأخبراه بأماكن تواجدهم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب

بن المنذر بن الجموح إليهم أيضا، فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم.

ولما نزل أبو سفيان وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

إنّي رأيت في المنام سيفي ذا الفقار انكسر، وهي مصيبة، ورأيت بقرا تذبح، وهي

مصيبة، ورأيت عليّ درعا وهي مدينتكم لا يصلون إليها، إن شاء الله تعالى، فلما

أصبح جاء أصحابه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ذكر الرؤيا لهم وقال : إن رأيتم

أن تقيموا بالمدينة ونجعل النساء والذّرّيّة في الآطام، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن

دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقّة فنحن أعلم بها منهم، ورموا من فوق الصّياصي

والآطام، وكان عبد الله بن أبيّ يرى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال

جماعة من المسلمين غالبهم أحداث لم يشهدوا بدرا، طلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدوّ،

يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبنّا عنهم، وأتخذ هذا الرأي كبار

الصحابة وفي مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن عبادة.

فلما أبوا إلّا ذلك صلّى- صلى الله عليه وسلم- الجمعة بالناس فوعظهم،

      وأمرهم بالجدّ والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، ففرح الناس بالشّخوص

إلى عدوّهم، وكره ذلك المخرج بشر كثير. وحضر أهل العوالي، ورفعوا النّساء في

الآطام.

      خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب فرسه وتقلد سيفه، وندم الناس على

إكراهه، فقالوا: يا رسول الله استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذ

لبس لأمته أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه

ثم عقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج

إلى حباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، ودفع لواء المهاجرين إلى علي بن

أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم على الصّلاة بمن بقي في المدينة.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة قريش على رأس قوة مؤلفة من ألف

رجل في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وانسحب عبدالله بن ابي بثلاثمائة

من اتباعه بحجة ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه في مقاتلة

المشركين داخل المدينة، وبذلك اصبح جيش المسلمين مكونا من سبعمائة مقاتل،

سار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى رأس الثّنيّة فرأى كتيبة ،فقال ما

هذا؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبيّ من يهود، فقال: أسلموا؟

فقيل: لا، فقال: إنا لا نستنصر بأهل الشّرك على أهل الشّرك، وعسكر صلى الله عليه

وسلم بالشّيخين، وعرض جنده، فاستصغر غلمانا فردّهم.

فلما فرغ العرض وغابت الشمس أذّن بلال بالمغرب، فصلى رسول الله صلى

الله عليه وسلم بأصحابه، ثم أذّن بالعشاء فصلّى بهم، وبات بالشّيخين، واستعمل على

الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر.

وكان ذكوان بن عبد قيس يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونام رسول الله

صلى الله عليه وسلم حتى كان السّحر، فصلّى الصّبح،

      ثم قال: «أين الأدلّاء؟ من رجل يخرج بنا من كثب لا يمرّ بنا عليهم؟»

فقام أبو خيثمة الحارثيّ، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشّوط انخزل عبد

الله بن أبيّ بثلث النّاس فرجع بمن اتّبعه من أهل النّفاق والرّيب، وأنزل الله تعالى: ما

كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . وهمَ بنو

سلمة وبنو حارثة بالرّجوع، حين رجع عبد الله بن أبيّ فعصمهم الله،

ولهذا قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما . واستأذن الأنصار

رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع ابن أبيّ في الاستعانة بحلفائهم من يهود

المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا بهم .وبقي رسول الله صلى

الله عليه وسلم في سبعمائة وفرسه، وفرس لأبي بردة، ويقال لم يكن مع المسلمين

فرس.

     ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشّعب من أحد في عدوة

الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، واستقبل المدينة، وجعل عينين-

الجبل- عن يمينه، وصفّ المسلمون بأصل أحد، وحانت الصّلاة يوم السبت

والمسلمون يرون المشركين، فأذّن بلال، وأقام، وصلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم بأصحابه الصّبح صفوفا. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب الناس

اوصاهم بطاعة الله والتناهي عن محارمه، ودعاهم بالصبر والثبات على الجهاد،

ونهاهم عن الاختلاف والتّنازع مما لا يعطي عليه النصر والظفر، وأمرهم بالحفاظ

على الصلوات المفروضة، والابتعاد عن المحارم، واتباع الكسب الحلال في طلب

الرزق


     وتعبّى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وأمرعلى الرّماة عبد الله بن جبير

وكانوا خمسون رجلا، فقال لهم : انضحوا الخيل عنّا، لا يأتون من ورائنا، إن

كانت لنا، اثبتوا مكانكم لا نؤتينّ من قبلكم، الزموا مكانكم لا تبرحوا عنه، وإذا

رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا

تخطّفنا الطير فلا تبرحوا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعنونا ولا

تدفعوا عنّا، وارشقوهم بالنّبل فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنّا لن نزال غالبين ما

ثبتّم مكانكم. اللهم إني أشهدك عليهم . وجعل على إحدى المجنّبتين الزبير بن

العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمر الغنويّ ، ودفع اللواء إلى مصعب بن

عمير. وكان شعار المسلمين يومئذ: «أمت أمت» .


      وصفّ المشركون بالسّبخة، وتعبّئوا للحرب، وهم ثلاثة آلاف، معهم مائتا فرس قد

جنّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي

جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، ويقال: عمرو بن العاص، وعلى الرّماة عبد الله

بن أبي ربيعة، ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة .

      ولما اشتدّ القتال صاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز

إليه علي بن أبي طالب فالتقيا بين الصّفين فبدره عليّ فصرعه، وكان قتل صاحب

لواء المشركين تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأنّي مردف كبشا ،

فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر التّكبير وكبّر المسلمون،

      أول من أنشب الحرب أبو عامر عبد عمرو بن صيفيّ الفاسق، طلع في

خمسين من قومه، ويقال: خمسة عشر، الذين ذهبوا معه إلى مكة، والأحابيش وعبدان

أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق،

بذلك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فلما

سمع ردّهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ثم قاتلهم قتالاً شديداً، ثم راضخهم

بالحجارة.

      واقتتل الناس يومئذ قتالا شديدا، وحميت الحرب، وأبلى أبو دجانة الأنصاريّ،

وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن

النّضر، وسعد بن الربيع، بلاء شديدا، وشدّوا على المشركين يضربونهم حتى اختلّت

صفوفهم، وتبعهم المسلمون يقتلونهم حيث شاءوا، حتى أجهضوهم عن العسكر.

وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كلّ ذلك تنضح بالنّبل فترجع

مفلولة، وكانت الرماة تحمي ظهور المسلمين، ويرشقون خيل المشركين بالنّبل، فلا

يقع إلا في فرس أو رجل، فتولّي هوارب، مما شجع سرية الرماة التي كانت تحمي

ظهور المسلمين فوق الجبل على مغادرة مواضعها ، فقال عبد الله بن جبير ومن

وافقه: ألم تعلموا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكم: احموا ظهورنا ولا

تبرحوا من مكانكم، وإذا رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا، احموا

ظهورنا، فقال الآخرون: لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وانطلقوا فلم يبق

مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهب الباقون إلى عسكر المشركين

ينتهبون ، ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل وقلّة أهله، فكّرّ بالخيل وتبعه عكرمة بن

أبي جهل فحملوا على من بقي من الرّماة فقتلوهم، وثبت أميرهم عبد الله، فقاتل حتى

قتل.

      وأحاطوا بالمسلمين، فبينما المسلمون قد شغلوا بالنّهب والغنائم إذ دخلت الخيول

تنادى فرسانها بشعارهم: يا للعزّى، يا لهبل، ووضعوا السيوف في رقاب المسلمين ،

ولما رأى المشركون خيلهم ظاهرة رجعوا فشدّوا على المسلمين فهزموهم، فقتلوا

فيهم قتلا ذريعا، وتفرّق المسلمون في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلّوا من

أسروا، وانتقضت صفوف المسلمين، واستدارت رحاهم، فصاروا ثلاثا: ثلثا جريحا،

وثلثا منهزما، وثلثا مقتولا.

     وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدد من اصحابه فمن المهاجرين أبو بكر،

وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص،

وأبو عبيدة بن الجراح، ومن الانصار: الحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت،

والحارث بن الصّمّة، وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ- وقيل: سعد بن عبادة- ومحمد

بن مسلمة.

      وتكاثر المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله. فرمى

عتبة بن أبي وقاص- لعنه الله- رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أحجار فكسر

حجر منها رباعيته اليمنى السّفلى وجرح شفته السّفلى، وشجّ عبد الله بن قمئة، وجنته

فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فوقع صلى الله عليه وسلم في حفرة أمامه

على جنبه، وهي من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا

يعلمون، فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم، فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه

طلحة حتى استوى قائما، ولم يصنع سيف ابن قمئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل

السيف، ومكث يجد وهن الضّربة على عاتقه شهرا، أو أكثر من شهر، ورمته جماعة

كثيرة بالحجارة حتى وقع لشقّه.


      ثم إرسال الله تعالى النعاس على المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله

عليه وسلم حتى سقطت السيوف من أيديهم من شدة النّعاس، والذي ألقاه الله تعالى

عليهم أمنة منه.

      وهناك رواية تشير الى حضور الملائكة يوم أحد، الا انهم لم يقاتلوا عن القوم

حين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصبروا على ما أمرهم به، وأرادوا

الدّنيا ، وأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ فصدق الله وعده

وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.

      لمّا تحاجز الفريقان أقبل أبو سفيان على فرس حتى أشرف على المسلمين في

عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أفي القوم محمد؟ ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجيبوه» ،

فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجيبوه»

، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال  رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجيبوه» ،

ولم يسأل عن هذه الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أنّ قيام الإسلام بهم، فقال أبو

سفيان بعد أن رجع إلى أصحابه: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك

عمر بن الخطاب نفسه! فقال: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: بلى . فقال عمر: كذبت يا

عدو الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك، إنّ الذين عددت لأحياء كلّهم

قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النّارالله مولانا ولا مولى لكم

وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذ في الرّحيل، لما رحل المشركون انتشر

المسلمون يطلبون قتلاهم فلم يجدوا قتيلا إلّا وقد مثّل به المشركون، إلّا حنظلة بن

أبي عامر فإن أباه كان معهم فتركوه له، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم

يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده علي بن ابي طالب ببطن الوادي مقتولا، فأخبر

النبي صلّى الله عليه وسلم، فخرج يمشي حتى وقف عليه، فوجده قد بقر بطنه عن

كبده، ومثّل به، فجدع أنفه وأذناه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أحتسبك عند الله!»

وقال صلى الله عليه وسلم: «لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد

من العرب بأحد قطّ، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة

النّحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. فكفّر

النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد وصبر. [

      أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، ويقال استشهد

يوم أحد سبعون رجلا: أربعة من المهاجرين ، وسائرهم من الأنصار، ويقال اثنان

وسبعون، أو أربع وسبعون، أو خمسة وسبعون، أما قتلى المشركين في هذه المعركة

فقد بلغ اثنان وعشرون رجلا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشّهداء أن

ينزع عنهم الحديد والجلود، وان يدفنوا بدمائهم وثيابهم، ويجعلوا الرجلين والثلاثة في

القبر الواحد، ويقدّموا أكثرهم قرآنا في اللّحد، وقال : أنا شهيد على هؤلاء ، ولم يصلّ

عليهم.

        استغل المنافقون خسارة المسلمين لمعركة احد فأخذوا يشتمون المسلمين، وانضم

اليهود الى المنافقين في الشماتة بالمسلمين، ولم يكتف المنافقون بذلك، بل اخذوا يدعون

المسلمين للتخلي عن قيادة الرسول صلى الله عليه ، ويأمرونهم بالتفرّق عنه، مما دفع

عمر بن الخطاب (رض) الى ان يذهب الى الرسول (ص) ليستأذنه في قتل من يفعل من

اليهود والمنافقين ، الا ان الرسول (ص) رفض ذلك بقوله : (( ان الله مظهر دينه ومعز

نبيه ولليهود ذمة فلا اقتلهم ، قال عمر (رض) : فهؤلاء المنافقون يا رسول (ص) ، فقال

رسول الله (ص) : نهيت عن قتل من قال لا اله الا الله وان محمدارسول الله.

        كان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربّانيّة، اهمها:

- منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، لما وقع من ترك الرّماة موقعهم

الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألّا يبرحوا منه.

- ومنها: أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميّز

الصادق من غيره، ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من بعثة الرسل،

فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب.

- ومنها: أنّ في تأخير النّصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا

لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا، وجزع المنافقون.

- ومنها: أن الله تعالى هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته ، فقيّض لهم

أسباب الابتلاء والمحن، ليصلوا إليها.

- ومنها: أنّ الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله تعالى إليهم.

- ومنها: أنه تعالى إذا أراد إهلاك أعدائه قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها

ذلك، من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه.

- ومنها: أنّ الأنبياء صلى الله عليهم وسلم إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية

من الجراحات والآلام والأسقام، تعظيما لأجرهم، تأسّى بهم أتباعهم في

الصّبر على المكاره.

 

                                           



 

اسم الملف رابط الكتاب
مدونة مكتبة الماهر حجم الملف 300k
إذا لم يتم تنزيله تلقائيًا ، فيرجى النقر على إعادة التنزيل. وإذا كان الرابط معطلاً ، فيرجى الإبلاغ عبر صفحة نموذج الاتصال في هذه المدونة.
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *