-->

وة بني النضير

 

غزوة بني النضير

 غزوة بني النّضير

        قامت سياسة الرسول (ص) في المدينة المنورة على الرغبة في التعايش مع

اليهود على اساس ما تضمنته الصحيفة من مبادئ واحكام، غير ان اليهود لم يبادلوا

الرسول (ص) مثل هذه الرغبة وأخذوا يتربصون الفرص للإساءة اليه ويتعاونون مع

اعدائه من المنافقين والمشركين، فقد كتب كفّار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم

أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلنّ صاحبنا أو لنفعلنّ كذا وكذا، فلما بلغ كتابهم

اليهود اجتمعت بنو النّضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا، حتى نلتقي على أمر

بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا بك كلنا.

فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلا من

أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من يهود، حتى إذا برزوا في برازٍ من الأرض

قال بعضهم لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه، كلّهم يحب

أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستّون رجلا اخرج في ثلاثة من

أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك

آمنّا بك، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ثلاثة من أصحابه وخرجت

ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه

وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار

فأخبرته خبر ما أراد بنو النّضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل

أخوها سريعا حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسارّه بخبرهم قبل أن

يصل إليهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

       لقد قابل الرسول (ص) دسائس يهود بني النضير وتعاونهم مع الاعداء بالصفح

والتسامح حتى وصل الامر بهم الى محاولة قتله ، فأضطر الرسول (ص) الى

مواجهتهم ، فقد ذكرت ان الرسول (ص) ذهب الى بني النضير في اطراف المدينة

برفقة بعض الصحابة طالبا" منهم العون في دفع دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن

امية في حادثة بئر معونة ، فأظهر له اليهود الترحيب وطلبوا من الجلوس ليصنعوا

له طعاما ، فجلس الرسول (ص) مسندا ظهره الى بيت من بيوتهم ، فدارت في

رأس أحد زعمائهم وهو حيي بن اخطب فكرة اغتيال الرسول (ص) بألقاء عليه

حجارة من فوق البيت الذي هو تحته، غير ان الرسول (ص) احس بالمؤامرة فخرج

من ديار بني النضير عائدا الى المدينة المنورة، وأنزل الله تعالى في ذلك قوله: يا

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ

عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .

       ايقن الرسول (ص) بعد هذه المؤامرة أنه ليس بالإمكان التعايش بسلام مع يهود

بني النضير في المدينة، لذا فقد بعث اليهم احد اصحابه محمد بن مسلمة ليبلغهم رد

الرسول (ص) على غدرهم ونقضهم للعهد ، وكان هذا القرار يتضمن جلاء يهود بني

النضير عن المدينة ويحق لهم ان يحتفظوا بأراضيهم وأموالهم ، حيث بإمكانهم اخذ

اموالهم المنقولة معهم، واستثمار اراضيهم بالواسطة.غير ان يهود بني النضير لم

يمتثلوا لأوامر الرسول (ص) بالجلاء عن المدينة ، وقد شجعهم على اتخاذ هذا

الموقف زعيم المنافقين عبد الله بن ابي حينما قال لهم : (( ان اثبتوا وتمنعوا فأنا لن

نسلمكم ان قاتلتم قاتلنا معكم، وان خرجتم خرجنا معكم)). وهكذا فقد رفض يهود بني

النضير الانصياع لأوامر الرسول (ص) بالجلاء عن المدينة ، فطلب الرسول (ص)

من اصحابه التوجه نحو ديار بني النضير لمحاربتهم ، واستخلف على المدينة ابن أم

مكتوم، وكان ذلك في شهر ربيع الاول من السنة الرابعة للهجرة.

        سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى بني النضير، فلما رأوا

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا على جدار حصونهم، وأخذوا يرمون

المسلمين بالنّبل والحجارة، واعتزلتهم بنو قريظة، فلم يعينوهم بسلاح ولا رجال،

ويئسوا من مساعدة المنافقين لهم، فحاصرهم رسول الله صلى عليه وسلم أكثر من

خمسة عشر يوما، ثم قام بتحريق مزارعهم مما اثر على معنوياتهم ، لذا فقد ارسلوا

الى الرسول (ص) يخبرونه بموافقتهم على الجلاء بالشروط السابقة ، الا ان الرسول

(ص) اوضح لهم ان تلك الشروط كان قبل القتال ، ولكونهم قد اختاروا الحرب فأن

عليهم الاستسلام وفقا لشروط الجديدة، وهي ان يقوموا بالجلاء عن المدينة وان

يتخلوا عن مزارعهم وبيوتهم واسلحتهم للرسول (ص) وان يأخذوا معهم اموالهم

المنقولة التي يستطيعون حملها على ظهر الابل، وولي إخراجهم محمد بن مسلمة.

لقد ترتب على نجاح المسلمين في اجلاء بني النضير عن المدينة ان ازداد مركز

الرسول (ص) قوة على مستوى الجبهة الداخلية في الوقت الذي ضعف فيه مركز

خصومه من اليهود والمنافقين ، اما على مستوى الجبهة الخارجية فقد اصبحت

امكانات الرسول (ص) واتباعه اقوى على مواجهة تحديات الاعداء ، اما على

مستوى الاقتصادي فقد ساعد حصول المسلمين على اموال بني النضير تحسين

الاوضاع الاقتصادية للمهاجرين، في المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

للأنصار: ليس لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمتم هذه وأموالكم بينكم

وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة، قالوا: بل اقسم هذه

فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت، وأنزل الله سبحانه وتعالى غالب سورة الحشر في

شأنهم.: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

         فقام الرسول (ص) بتوزيع هذه الاموال باعتبارها غنائم حصل عليها المسلمون من

غير قتال على الفقراء المهاجرين ،. وابقى جزءا قليلا منه لسد حاجات بيته وذوي

قرباه لمدة سنة ، وما زاد على ذلك كان يخصصه للنفقات العامة.

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *