غزوة خيبر وحلفائها في الشمال .
لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة من الحديبية في ذي الحجة مكث بها
عشرين ليلة أو قريبا منها، ثم خرج الى خيبر في محرم من السنة السابعة للهجرة، وكان
الله- عز وجل- وعده إيّاها وهو بالحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً
تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ان لا يخرج معه الا من شهد
الحديبية، وجاءه المخلّفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال : لا
تخرجوا معي إلّا راغبين في الجهاد، فأمّا الغنيمة فلا .
ولم تكن مقاتلة اهل خيبر بالأمر السهل ، اذ تبعد خيبر عن المدينة حوالي مائة ميل ،
ولدى اهلها عدد من الحصون المنيعة التي يصعب اختراقها، فضلا أنهم يمتلكون عشرة
الاف مقاتل، ولم يكن يهود خيبر معزولين عن الوسط الذي يعيشون فيه اذ كانوا يرتبطون
بتحالفات مع يهود فدك ووادي القرى وتيماء، فضلا عن علاقاتهم المتينة مع قبيلة غطفان
القوية التي سبق لها محاربة المسلمين في غزوة الاحزاب.
لقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلّم الا يأخذ معه في هذه الحملة الا من كان راغبا
في الجهاد، متطلعا الى الشهادة وذلك لصعوبة المهمة التي كانت تنتظرهم من هذه الغزوة،
لذا فقد اعتذر عن قبول انضمام الاعراب الذين تخلفوا عن التحاق به في غزوة الحديبية الى
هذه الحملة، وبذلك فقد تألف جيش المسلمين الذي توجه الى خيبر من الرجال الذين رافقوا
الرسول صلى الله عليه وسلّم في غزوة الحديبية، وكان عددهم حوالي الف واربعمائة مقاتل.
واستخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي.
سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر، فانتهى إليها ليلا، ولما أصبح صفّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ووعظهم وأنهاهم عن القتال حتى يأذن لهم، وفرّق
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الرايات، ولم تكن الرّايات إلّا يوم خيبر، وإنما كانت
الألوية، وكانت راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سوداء من برد لعائشة- رضي الله
عنها- تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، دفعه إلى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ودفع راية
إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم :يا منصور أمت .
وأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في القتال، وحثّهم على الصّبر، وأوّل حصن
حاصره حصن ناعم وقاتل صلى الله عليه وسلّم يومه ذلك أشدّ القتال، حتى فتح الله عز
وجل الحصن عليهم.
ثم حاصروا حصن الصّعب بن معاذ ثلاثة أيام، وكان حصنا منيعا، فدفع رسول الله صلى
عليه وسلم اللّواء إلى الحباب بن المنذررضي الله عنه وندب النّاس فنهضوا، ولم يرجعوا
حتى اقتحموا حصن الصّعب بن معاذ، ووجدوا في حصن الصّعب من الطّعام ما لم يكونوا
يظنّون أنه هناك من الشّعير والتّمر والسّمن والعسل والزّيت والودك.
ولمّا تحولت يهود من حصن ناعم وحصن الصّعب بن معاذ إلى حصن الزّبير، اقام
الرسول صلى الله عليه وسلم في محاصرتهم لمدة ثلاثة أيام، وقطع عنهم مشاربهم، فخرجوا
وقاتلوا أشد قتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من اليهود في ذلك اليوم عشرة،
وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا آخر حصون النّطاة.
فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من النّطاة تحوّل إلى الشّق، وبه حصون
ذوات عدد، فكان أوّل حصن بدأ به حصن أبيّ، فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على
قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها أهل الحصن، قتالا شديدا، ثم تحامل المسلمون على الحصن
فدخلوه، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما كثيرا.
وبعد ذلك صاروا إلى حصن النّزال بالشّق، وقدم فلول النّطاة إلى حصن النّزال،
فغلّقوه، وامتنعوا فيه، وزحف رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في أصحابه، فقاتلهم،
وكانوا أشد أهل الشّق رميا للمسلمين بالنّبل والحجارة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
كفا من حصى فحصب به حصنهم، فرجف الحصن بهم، وجاء المسلمون فأخذوا أهله أخذا.
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلّم حصون النّطاة، والشّق انهزم من سلم منهم إلى
حصون الكتيبة، وأعظم حصونها القموص، وكان حصنا منيعا، فحاصره رسول الله صلى الله
عليه وسلّم قريباً من عشرين ليلة، الا انه امتنع على المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلّم:
لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه، ليس بفرار، يحب الله ورسوله، يأخذها عنوة. فما
أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم دعا باللّواء، وأعطاه لعلي بن ابي طالب، وقال صلى
الله عليه وسلم: اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت. فما رجع حتى فتح الله تعالى
الحصن على يديه.
استمر القتال لمدة شهر تقريبا، أضطر اليهود في نهايتها الى طلب الصلح فوافق
الرسول (ص) على ذلك، بعد ان تكبدوا من الخسائر في الارواح ثلاثة وتسعين قتيلا، اما
خسائر المسلمين فقد اقتصرت على خمسة عشر شهيدا، ويرجع انتصار المسلمين على
يهود خيبر الى عدة عوامل ، منها وحدة القيادة وارتفاع معنويات المسلمين في اثناء القتال
بسبب عامل الايمان، ونجاحهم خلال الحرب بقطع المياه عن حصون اليهود وتحريق
مزارعهم، مما اضعف من معنويات يهود خيبر وحملهم على الاستسلام.
لقد اعطت شروط الصلح مع الرسول صلى الله عليه وسلّم حق بقاء يهود خيبر في
اراضيهم واستثمار مزارعهم بأنفسهم على ان يقسم محصول هذه المزارع بينهم وبين
المسلمين مناصفة ، ان غنائم خيبر قد ساهمت في تحسين الاوضاع المالية للمسلمين بصورة
ملموسة، كما امتدت سلطة ونفوذ الدولة الاسلامية الى الشمال مما اعطاها القوة على التأثير
في حركة القوافل التجارية المتجهة الى بلاد الشام، واجبار القبائل والمستوطنات الموجودة
في المنطقة مثل غطفان وفدك ووادي القرى وغيرها على احترام ارادة دولة المدينة
والدخول معها في علاقات تحالف ووفاق.
م / اخضاع فدك ووادي القرى وتيماء.
لقد فتح انتصار المسلمين في خيبر الطريق امام بقية التجمعات اليهودية الموجودة
قرب خيبر او الواقعة شمال الجزيرة العربية لتعلن خضوعها لسلطة الرسول صلى الله عليه
وسلّم وكان يهود فدك هم اول من اعلن الرغبة في مصالحة الرسول صلى الله عليه وسلّم
والخضوع لسلطته، وقد وافق الرسول صلى الله عليه وسلّم على بقاء يهود فدك في مزارعهم
واموالهم على ان يدفعوا للمسلمين نصف حاصلتهم الزراعية كل عام.
اما يهود وادي القرى ، فانهم قد حاولوا مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلّم ورفضوا
الخضوع له، فأمر اصحابه بمحاصرتهم وقتالهم ، وبعد مقاومة بسيطة من جانبهم ادركوا
عدم قدرتهم على مواصلة القتال فأعلنوا الاستسلام، فأقام الرسول صلى الله عليه وسلّم اربعة
ايام بينهم وصالحهم على ما صالح عليه يهود خيبر وفدك، أذ ترك النخل والارض بأيديهم
على ان يدفعوا في نهاية كل عام نصف حاصلتهم الى المسلمين.
وحينما سمع يهود تيماء بأخبار انتصارات المسلمين وحسن معاملتهم لليهود صالحوا
رسول الله صلى الله عليه وسلّم على الجزية وأقاموا بأيديهم أموالهم دون ان يتعرض لهم احد
بقتال.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق